شارك المغاربة يوم 23 سبتمبر 2026 في اختيار 395 عضوا في مجلس النواب، وهي التجربة البرلمانية الثانية عشرة منذ أول اقترع تشريعي بعد الاستقلال عام 1963، أما نسبة المشاركة الفعلية للناخبين فلم تتجاوز 38.08 في المئة. وتوزعت المقاعد، كما أعلنت عنها رسميا وزارة الداخلية، بين الأحزاب الكبرى التقليدية، وهي: حزب الأصالة والمعاصرة (97 مقعدا)، والتجمع الوطني للأحرار (66 مقعدا)، والاستقلال (65 مقعدا)، والعدالة والتنمية (54 مقعدا)، والحركة الشعبية (29 مقعدا)، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (26 مقعدا)، والتقدم والاشتراكية (19 مقعدا)، والاتحاد الدستوري (17 مقعدا)، والحركة الديمقراطية والاجتماعية وتحالف اليسار بثمانية مقاعد لكل واحد منهما، والمقاعد الستة المتبقية توزعت بين جبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف بمقعدين لكل واحد منهما، ومقعد واحد لكل من الديمقراطيون الجدد والوحدة والديمقراطية.
يُستخلص من النتائج الرسمية أعلاه أمرا أساسيا مفاده أن لا أحد من الأحزاب السبعة والعشرين المشارِكة في الاقتراع التشريعي؛ يمتلك الأغلبية المطلقة في مجلس النواب المحددة في 198 عضوا من أصل 395، وهي ظاهرة لازمت كل الانتخابات التشريعية التي تم تنظيمها منذ سنة 1963، بسبب نظام الاقتراع المعتمد، ووجود تعددية حزبية عددية. لذلك، فخريطة التوازنات داخل البرلمان تتوزع بين ثلاثة أو أربعة أحزاب الأولى في الترتيب، وتبقى الأحزاب المتوسطة والصغيرة (غالبا ما يتم اللجوء إليها لبناء الأغلبية البرلمانية) دون أن يكون لها تأثير يُذكر.
أما من حيث التحليل الكيفي للنتائج، فالملاحظ تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة من 2021 إلى 2026، بصفته متصدرا لنتائج اقتراع 2021 داخل مجلس النواب، ليحل محله حزب الأصالة والمعاصرة، بينما حافظ حزب الاستقلال نسبيا على مركزه في الترتيب، وتقهقر حزب الاتحاد الاشتراكي، واستعاد حزب العدالة والتنمية مكانته بعد انتكاسة اقتراع 2021، وتراجع نسبيا حزب التقدم والاشتراكية، بينما حصل تحالف اليسار، لأول مرة، على عدد واضح من المقاعد. ففي الإجمال لم يحدث تغير جوهري في خريطة التوازنات الحزبية مقارنة مع انتخابات 2021، وهو ما يعني أن مؤشرات الاقتناع بأن الطريق نحو التغيير الإيجابي والعميق ستكون صعبة إن لم نقل مستبعدة خلال الولاية التشريعية الجديدة.
لعل من العناصر المعززة لفرضية صعوبة حصول تغيير نحو الأفضل في التجربة التشريعية الثانية عشرة، أن الحملات الانتخابية بين الأحزاب المشاركة لم تتأسس على برامج واضحة، متماسكة ومقنعة بخصوص ما ينوي المترشحون التفكير فيه والدفاع عنه، فقد طغت الملاسنات بين المترشحين، وغلبت الذاتية على الترافع الموضوعي، وسادت في أحيان كثيرة، لدى العديد من المتقدمين للانتخابات، لغة البذاءة، وغابت الأخلاق وروح التنافس، وكلها علامات دالة على طبيعة النخبة البرلمانية المرتقب ولوجها قبة البرلمان.
السؤال الذي ينتظر المغاربة الإجابة عنه، بعد أن عيّن العاهل المغربي، وفقا للفصل 47 من دستور 2011، رئيسة الحكومة، بصفتها تقود الحزب المتصدر لانتخابات اقتراع مجلس النواب، ماذا ستفرز مفاوضات الائتلاف الحكومي؟ وهل سيتغلب منطق الكفاءة والاستحقاق في اختيار أعضاء الحكومة؟ وهل سيتشكل ائتلاف مبني على المشترك في البرنامج والرؤية لقيادة الحكومة، أم على اعتبارات أخرى؟
سيكون خطأ فادحا إذا تكونت الحكومة المقبلة من الأحزاب التي قادت العمل الحكومي عام 2021، أي الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال؛ لأن إذا أعيد هذا التحالف بهذا الشكل، سيجد المغاربة أنفسهم أمام نسخة مكررة للحكومة السابقة، وسيكون قطعا المسمار الذي سيفضي إلى فشل ذريع للحكومة المرتقبة. فعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن استبعاد حزب الأحرار من الدخول في الائتلاف الحكومي المقبل، فإن الحكمة السياسية تقول بأن إخراجه من الائتلاف الحكومي سيكون أكثر واقعية وفائدة.
وبما أن حزب العدالة والتنمية أعلن رسميا على لسانه أمينه العام بأنه غير معني بالتحالف الحكومي المقبل، فإن الأرجح، وربما المفيد لإنهاء التفاوض من أجل التحالف، أن يكون بين حزب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، أي بما مجموع 207 مقاعد، وهي أغلبية مطلقة (198) مريحة، وقد تخلق توازنا داخل البرلمان وداخل مؤسسة الحكومة، إن استطاعت هذه الأحزاب مجتمعة الإنصات لبعضها البعض، والإعلان عن حسن نية لبناء المشترك، وانتقاء كفاءات مقتدرة، نزيهة وذات مصداقية لصناعة سياسات عمومية في حجم انتظارات المجتمع والتحديات الإقليمية والدولية التي يعرفها المغرب حاليا، وفي السنوات المقبلة.
في الخلاصة، ومهما كانت نتائج التحالفات الحكومية، ينتظر المغاربة من مؤسستهم التشريعية، ومن حكومتهم المقبلة الكثير والكثير، ومن المؤكد أن هامش المناورة والالتفاف حول التطلعات والمطالب الكبرى للمغاربة في مجالات تخليق الحياة العامة والحد من الفساد، ومشاريع الرعاية الصحية والدولة الاجتماعية، والتشغيل، وفتح الطريق أمام الشباب، وردم هوة العدالة الاجتماعية والمجالية، وإعادة الاعتبار لقيمة الاستحقاق والنزاهة والحرية؛ كلها أمور لم تعد مطالب فحسب، بل أصبحت ضرورات مستعجلة، ولعل فتح الطريق نحو الدنو منها والوصول إليها، هو الذي يضمن الاستقرار والأمن للمغرب، ويعزز قدراته الوطنية والدولية لتحقيق الأوراش التي فتحت في ربوعه منذ أكثر من عقدين.

ائتلاف التعليم للجميع يدعو إلى إعادة الاعتبار لمهنة التدريس
مهدي النفري يُترجم للشاعرة الهولندية لايكه مارسمان
جمعية المستهلك تضع أمام الحكومة الجديدة خارطة لحماية القدرة الشرائية
أكثر من 60 ألف مقاولة جديدة بالمغرب خلال سبعة أشهر