‏آخر المستجداتفنون وثقافة

“سبتيات” يحررها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان: (الجزء 3)

مثلت مدينة سبتة، بفضل موقعها الجيواستراتيجي المطل على جبل طارق، الرئة التي تنفس من خلالها المغرب في العصر الوسيط المغربي، فكانت “بوابة المغرب” نحو أوربا وصلة الوصل بين عواصمه الداخلية (مثل مراكش وفاس) والضفة الأوروبية. ولم تكن العلاقة بين سبتة ومراكش مجرد علاقة إدارية، بل كانت رابطة استراتيجية وعضوية تجسدت في أسمى صورها خلال العهد المرابطي وما تلاه.

سبتة في الاستراتيجية المرابطية وعلاقتها بعلي بن يوسف:

بدأت العلاقة العضوية المباشرة بين سبتة والدولة المرابطية (التي اتخذت من مراكش عاصمة لها) منذ عهد يوسف بن تاشفين الذي استولى على المدينة عام 477هـ (1084م). وفي هذا الثغر، وُلد ابنه وخليفته علي بن يوسف بن تاشفين والذي بنى اسوار مراكش ومسجد يحمل اسمه (ابن يوسف) و بنى كذلك أول رياض بالحجر بمراكش ، مما منح مدينة مراكش مكانة رمزية وخاصة لدى الأسرة الحاكمة . فخلال عهد علي بن يوسف، تحولت سبتة من مجرد مدينة ساحلية إلى “محل أساطيل المسلمين” ، حيث كانت تمثل القاعدة اللوجستية التي تنطلق منها الجيوش المرابطية المدعومة بقرار سياسي من مراكش لإغاثة الأندلس. لقد كانت سبتة بمثابة “الحصن المتقدم، فمنها يُؤمن الطريق البحري، وعبرها تتدفق السلع والعلوم التي جعلت من مراكش حاضرة من حواضر الغرب الإسلامي الكبرى.

سقوط مراكش وصمود سبتة (الفترة الانتقالية):

عندما بدأت الدولة المرابطية في الانهيار أمام زحف الموحدين، برزت سبتة كآخر معاقل الوفاء للشرعية المرابطية في مواجهة مراكش الموحدية الجديدة. فبينما سقطت مراكش في يد الموحدين عام 541هـ (1147م)، استمرت سبتة في المقاومة بقيادة القاضي عياض. لقد حاولت سبتة في هذه الفترة قلب موازين القوى وإعادة الاعتبار للمرابطين، حيث نسق القاضي عياض مع يحيى بن غانية (الذي كان يسيطر على جزيرة مايوركا) لتسليم المدينة إليه واتخاذها قاعدة لمحاربة الموحدين واستعادة العاصمة مراكش. إلا أن تخاذل بن غانية أدى في النهاية إلى دخول سبتة في طاعة الموحدين عام 543هـ، لينتقل مركز الثقل الإداري مرة أخرى ليربط بين الثغر (سبتة) والمركز (مراكش) تحت لواء الدولة الموحدية.

العصر المريني وانفصام عرى الوصل:

خلال العهد المريني، استمرت سبتة في أداء دورها كمركز تجاري دولي يخدم الاقتصاد المغربي الذي تديره مراكش وفاس، لكن العلاقة بدأت تأخذ طابعاً استقلالياً مع بروز “بني العزفي” الذين حكموا سبتة بنوع من الاستقلال الذاتي. ورغم محاولات السلاطين المرينيين في مراكش وفاس تثبيت سيادتهم على المدينة، إلا أن سبتة ظلت غالباً ما تناور بين القوى المتوسطية (جنوة وأرغون) وبين السلطة المركزية في المغرب. ومع ذلك، ظلت سبتة هي “بوابة التجارة الخارجية” التي تمون أسواق مراكش بالسلع الأوروبية، حتى جاء المنعرج الحاسم بسقوط المدينة في يد البرتغاليين عام 1415م، وهو الحدث الذي اعتبر ضربة قاصمة للاستراتيجية الدفاعية المغربية التي كان يتم رسمها في مراكش وفاس.

الإعلام بعلماء سبتيين حلوا بمراكش:

استقطبت مراكش، بما كانت تتمتع به من مكانة سياسية وعلمية، عددًا من علماء سبتة ومن أشهر هؤلاء القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي الذي انتقل إلى مراكش في أواخر حياته، وأبو العباس أحمد بن جعفر السبتي الذي استقر بها حتى أصبح أحد أبرز أعلامها وأشهرهم،

وهو صاحب مقولة ” هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود.” حسب تعبير أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الفيلسوف العالم الأندلسي الذين كانت له صلة به (ت 595هـ/1198م) يخبرنا ابن الزيات التادلي في كتابه «التشوف إلى رجال التصوف»، أن أبا القاسم عبد الرحمان بن إبراهيم الخزرجي، قال: «بعثني أبو الوليد بن رشد من قرطبة، وقال لي: إذا رأيت أبا العباس السبتي بمراكش فانظر مذهبه وأعلمني به».، وقد أقام ابن رشد بمراكش هو ايضا إلى أن توفي يوم 9 صفر 595هـ/10 ديسمبر 1198م. ودُفن أولًا خارج باب تاغزوت ، ثم نُقلت رفاته بعد نحو ثلاثة أشهر إلى قرطبة ليدفن في مقبرة أسرته. وبقي قبره فارغا بمراكش إلى ان دفن فيه أبو العباس السبتي (سيدي بالعباس بتعبير المراكشيين) سنة 1205م.

إن تاريخ سبتة هو في جوهره جزء من تاريخ مراكش؛ فمن رحم الأولى وُلد أمير عظيم، ومن أسوار الثانية صدرت قرارات العبور والجهاد. لقد كانت العلاقة بينهما تجسد التوازن الضروري بين “العاصمة” التي تمثل القلب و”الثغر” الذي يمثل الدرع والنافذة.

فعلى المراكشيين خصوصا أن يقرأوا سبتة كجزء من تاريخهم.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button