
وأنا أتجول هنا وهناك ، في بلدي او في غيره ، كنت دائما أنتبه إلى وجود الساحات ، مع الأسف ، ليست لدينا بالشكل الذي عليه في دول غربية ، لا من حيث الكم او الكيف .
كنت معجبة ولا زلت بالساحات هناك ، بالحياة النابضة فيها على الدوام ، فرق موسيقية ، مقاهي ، مطاعم ، وتجمعات ثقافية .
كنت اردد بيني وبين نفسي ، لماذا ليست لدينا مثل هذه الساحات التي تنعش القلب والفكر ؟
لسنا نعاني من فقر في المساحات ، ولا في الأمكنة ، لكن ، الساحات جد نادرة !
هناك في مراكش ساحة جامع الفنا ،حتى الاسم يحيلك على الفناء ، ربما كانت تجرى فيها حسب بعض الروايات ، في أزمنة مضت عمليات الإعدام، وهو تفسير لم يؤكد بشكل علمي دقيق .
الساحة اليوم ، تعرف حركة ونشاطا ، لكنها رغم كل ما تلقاه من إعجاب الزوار ، أراها لا تزال تستحق ان تلعب أدوارا ثقافية فعالة ، مما عليه اليوم ( حكواتيون ، دكاكين لبيع الطعام ….) .
وتجدني أحن بفكري إلى ساحة الأغوار في أثينا ( اليونان )،التي لم تكن فقط فضاء للتجارة ، بل ارتبطت في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد ، بظهور النظام الديموقراطي ، والذي تميز بمشاركة المواطنين الأحرار في كل مايتعلق بالشؤون السياسية ( للإشارة هنا فقط ، العبيد والنساء …لم يكن مسموحا لهم بذلك ، لأنهم لا يدخلون في خانة المواطنين ).
طبعا ، هي ديموقراطية عرفتها المنطقة في ظل شروط تاريخيّة معينة ، لكن ، المثير هنا ، هو طبيعة الحياة الصاخبة في الأغورا :
نقاشات سياسية ، تجارية ….وفلسفية ، حيث كان الفلاسفة يجرون نقاشاتهم ، يتحلق بهم تلامذتهم ، في هذا المكان العام :
حوارات ، أسئلة ، نقد ،الحجاج ، …بخصوص قضايا فلسفية ، من قبيل :
العدالة ، الحق ، الفضيلة ، السعادة ،الديموقراطية ….
موضوعات لازالت إلى يومنا هذا تستدعي تأملاتنا ،واهتمامنا جميعا ، ساكنة العالم اجمع .
الاغورا ، أغراني اندهاشي أمام جبروتها ، وحضورها في المشهد السياسي والفكري والتاريخي …لليونان القديمة ، ان ادرج من بين أحلامي ، وجود ساحة أغورا مغربية ، في كل مدينة وقرية .
أغورا مغربية ، وفيها يتم ممارسة التفكير الحر ، وطرح الاسئلة ، ويكون الحوار ، وإعطاء الحجة والدليل هو أساس الصروح النظرية والفكرية ، التي تجادل ، تناقش ، كل قضايانا المجتمعية .
كان الأمر سيكون جميلا ، خصوصا ونحن الآن بصدد الحملات الانتخابية التي تشعرنا في اغلبها ، بكثير من الغبن ، وتفتح جراحنا ، وكأنها تصر على ان تذكرنا بأننا لا زلنا لم نخرج من بوتقة التخلف .
تصوروا معي ، ان تتم الحملات على شاكلة ما قد جرى في الاغورا ، الجميع ، باختلاف رؤاه ، طروحاته ….يناقش ، يجادل ، يحاور ، دون إقصاء للخصم ، او تعنيفه ، او النيل منه ومن خصوصياته .
دون سلك طرق غير لائقة ، للإقناع او التأثير على الجمهور .
كان الأمر سيكون جميلا ، لو تحولت الحملات ، إلى فرصة للسمو بالمواطن إلى مراتب عليا ، تسهم في ترسيخ مواطنته ، ووطنيته ، من خلال إشراكه الفعلي في ايجاد الحلول الناجعة ، لمشاكلنا المجتمعية وغيرها ، كانت ستكون لحظات تكملة بناء الذات المغربية ، الشامخة ، بدل النزول بها إلى حضيض يبعدها ، عن المسار السليم المؤدي فعليا ، إلى الرقي والنماء ، وحصد الحقوق ، التي يمنحها لهم /ن الدستور ، دون إذلال او مس بالكرامة .
17/ 09/2026



