
ـ ترجمة: كامل عويد العامري ـ
تتحدث بعض الأساطير عن آلهة تحلّق في السماء، تجوب فوق العالم من خلف الغيوم، تقودها العواصف أو تمتطي جياداً سماويّة. بينما تصوّرها حكايات أخرى تسير بين البشر على الأرض، بخطى مهيبة وغامضة، تمشي في الحقول، والشوارع، والغابات، والصحاري. فيتملك الناس الدهشة ويتساءلون: “ما الذي تفعله بيننا؟ ولماذا جاءت إلى هنا؟” ويبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: “هل ينبغي لنا أن نهرب منها، أم نسير خلفها؟”.
في البداية، كانت أصابع أقدامهما هي البداية. فقد خلق بعضهم العالم عبرها، لا بأقدام تشبه ما نعرفه نحن. ففي معتقدات السكان الأصليين لأستراليا، كان الخالقون يشكّلون العالم أثناء سيرهم فيه، يغنّون خلال ما يُعرف بـ «زمن الحلم» الأول. ومن تحت خطواتهم، وُلد كُلّ شيء: التلال، والأنهار، والصخور، وكُلّ معالم الطبيعة. في بولينيزيا، تنتقل الإلهة بيلي Pele، سيدة البراكين، من جزيرة إلى أخرى مستعينةً بعصاها السحريّة Pa’oa، تاركة وراءها أنهاراً من الحمم تحت قدميها. خطواتها تحمل طابع الدمار، لكنها في الوقت ذاته تشكّل تضاريس طبيعيّة جديدة. أما في الهند، فالإلهة كالي Kali لا تمشي فحسب، بل ترقص رقصة كونيّة عارمة، تسحق بها الشياطين وكُلّ من يعترض طريقها، حتى زوجها الإله شيفا Shiva.
في العديد من التقاليد، لا يُصبح المكان مقدساً إلا بعد مرور الإله عليه. آثار أقدام بوذا المحفورة في الصخر في سريلانكا أو تايلاند، وخطوات فيشنو المرتبطة بالمزارات الهندوسية، والصخور التي وطأها الأجداد في المعتقدات الروحانيّة بجنوب إفريقيا.. لا تمشي الآلهة في الفراغ أبداً. حيثما وطأت أقدامها، يستيقظ العالم، وينتظم، ويحمل معنى. وفي كثير من التقاليد، مجرد مرور أحد الآلهة تتحول وتتغير طبيعة الأرض.
وفي كثير من الأحيان، تكون مشية الإله، أكثر من كونها بادرة خلق، وسيلة للظهور: يأتي الإله ليلتقي بالبشر كي يُعترفَ به، أو الاحتفال به أو تبجيله. إنه يريد أن يكون متجسداً، وأن يكون ملموساً، في متناول اليد حرفياً. المقدّس يسمح بأن يُلمس. في اليونان القديمة، كانت التجليات الإلهية، أي ظهور كائن سماوي، غالباً ما تتمثل بإله يسير على الأرض، ويتجسد أحيانًا في هيئة بشريّة: ديونيسوس يجوب المناطق اليونانية، وأبولّو ينزل إلى الأرض في الحكايات المؤسسة للمزارات.. وفي الهند، يسلك تجسّدات فيشنو Vishnu، مثل راما Rama أو كريشناKrishna، طرق الأرض لاستعادة الدارما dharma، نظام الأشياء، ودورة الحياة، ويعيشون بيننا، يمشون معنا، يحبّون، ويتدخلون في صراعاتنا، يعلموننا.
يعلمون، نعم، لأن الآلهة تكشف.. أو تُكشَف. وهكذا، بعد أن خرج بوذا من قصره سيراً على الأقدام ونال الاستنارة، طاف بوذا الهند طولاً وعرضاً ماشياً لتعليم الدارما، أو عجلة الحياة. في كُلّ محطة، يجيب عن الأسئلة، وينقل المعارف، ويتكيّف. خطواته كانت تعليماً. وحتى اليوم، تُبجّل آثار قدمي بوذا في جميع أنحاء آسيا بوصفها علامات على حضوره وحكمته. أما الأرواح الأوريشا لدى شعب اليوروبا (غرب إفريقيا)، فمثل إله السماء أولورون، ليست فاتحة: فهي مرتبطة بقوى الطبيعة، وتسير في العالم قبل أن تختفي، وأحياناً تتحجّر. فمشية الآلهة ليست مدوية ولا مظفّرة، بل فعل نقلٍ للمعرفة، خافت لكنه جوهريّ. والحركة هنا رمزيّة: السير يكون جسدياً وروحياً في آنٍ واحد.
هذا الرابط بين المشي والتلقين حاضر في بعض التقاليد الشفويّة الإفريقيّة أو تقاليد الهنود الحمر: فالشيوخ يعلّمون وهم يمشون، بين نقطتين على الأرض؛ لأنّ الحركة تعزز الإنصات، والذاكرة، والتأمل. والكلمة الإلهية لا تُنطق دائماً من فوق جبل. أحياناً، يُهمَس بها على جانب الطريق، وتنتشر مع كُلّ خطوة. مثل هذه الآلهة تتحرك لتُدل على الطريق، بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ. فالمشي يتحول إلى تعليم، وكشف تدريجي، متناغم مع وتيرة الإنسان.
المشي متخفّياً:
في الأزمنة الأقرب، ليس في الأساطير، بل في الأناجيل، يظهر يسوع، المتجسّد في صورة إنسان، أحياناً بوضوح حين يمشي على المياه وحيداً، وأحياناً ككاشفٍ للحقائق، حين يعلّم في أثناء سيره مع تلاميذه على الطرقات، أو، بعد قيامته، حين يرافق حجّاج عمواس متخفّياً.
هناك كائنات أخرى تمشي بيننا من دون أن نتعرّف عليها، متخفية، متنكرة، ممسوخة، بل ومُحتقرة أحياناً. لكن إخفاءها لهويتها ليس ضعفاً، بل استراتيجية روحية، أو تربية قائمة على المفارقة، أو اختبار. فمثلاً، في الأساطير الإسكندنافية، يحبّ الإله أودين أن يظهر في هيئة رجل مسن، متعب، أعور، يرتدي معطفاً مغبّراً. يسأل الناس، يراقب، يحكم، ولا يتردد في معاقبة من يستقبله بسوء. مشيته المترددة تخدع المظاهر، لكنها تكشف عن إله يهتم بالفضائل البسيطة: حسن الضيافة، والصدق، والذاكرة.
وفي الحكايات الإغريقيّة الرومانيّة، ينزل زيوس وهرمس أحياناً إلى الأرض أيضاً في هيئة متسوّلين ففي أسطورة فيليمون وبوسيس، يستضيفهما زوجان عجوزان فقيران، بعد أن طردهما كُلّ سكان القرية. وفي النهاية، تغرق القرية بطوفان، بينما يكافَأ العجوزان ويُسمح لهما بالبقاء معاً إلى الأبد، وقد تحوّلا إلى شجرتين بعد موتهما. هنا أيضاً، يصبح المشي المتخفي اختباراً أخلاقياً.
في الكتاب المقدس، يسير ملاكان في شوارع سدوم وعمورة بحثاً عن عشرة أبرار، يكفي وجودهم لتهدئة غضب الله. لكن لوط وحده يفتح لهما بابه، فيما يهلك سائر السكان في دمار المدينتين. أما في معتقدات اليوروبا، فإن الإله إيشو، الوسيط بين العالم الماديّ وعالم الأرواح، يسلك الطرق ناشراً الغموض حول هويته. فقد يسير واضعاً قبعة سوداء من جهة وبيضاء من الأخرى، فيثير بذلك خلافات بين الشهود الذين يزعم كلٌّ منهم رؤيته بشكل مختلف. يغيّر شكله، ووجهه، ودوره باستمرار.
في الأمريكتين، يسير الأرواح المخادعة مثل ثل ذئب البراري (عند شعب النافاجو) بين الناس لتضليلهم، ولكن أيضاً لتعليمهم من خلال الفشل. لذا، فليس كُلّ إله أو روح تمشي بين البشر يكون نذيراً بخير، بل على العكس، خصوصاً تلك التي لا تكشف عن نفسها.. أو تفعل ذلك بعد فوات الأوان. لدى شعب المايا، يصل بعض رسل الشؤم خلسة، سيراً على الأقدام، إلى المدن المتغطرسة. يجلبون المجاعة أو المرض أو الحرب، كضيوف لم يدعهم أحد. وهنا يصبح البطء رمزاً لحتمية لا يمكن تجنبها أو تفاديها.
وفي بعض الأساطير الأفريقيّة أو الكاريبيّة، تتقمّص كائنات شريرة هيئة الآلهة الطيبة، فتُفسد الطقوس الدينية لتضلّ البشر وتقودهم نحو الفوضى. أما لدى شعب الهوبّي، فالأرواح كاشينا هي أرواح أطفال السكان الأصليين الأوائل الذين ماتوا غرقوا، ويعودون كُلّ عام بزيارة قصيرة.. يغادرون بعدها بعد أن يخطفوا بعض الأطفال. فيُضطر القرويون إلى التفاوض لإقامة طقس خاص يحمي أبناءهم من المصير نفسه.
ترينا هذه الحكايات أن السير المتخفي قد يكون فعل اختبار أو عقاب أو خلاص، وقد يكون أيضاً طريقة لتعليمٍ غامضٍ لا يُفهم إلا لاحقاً، أو لا يُفهم أبداً. في كثير من الحكايات، يكون قدوم الإله سيراً على الأقدام نذير شؤم، أو علامة على دينونة أو كارثة وشيكة. إن فكرة أن الشرّ قد يتقمّص هيئات المقدّس، حتى في طريقته في المشي، تُعزّز من أهمية التمييز في تفسير الإشارات والعلامات.
الآلهة تهيم أيضاً:
يرمز المشي أحياناً إلى علامة من علامات التناقض، حتى بالنسبة للآلهة نفسها. فبالنسبة لها، في العديد من الحكايات الأسطوريّة، لا يعني المشي مجرد عبور منطقة ما، بل يعني تغيير العالم، وتغيير حالة وجودية، حتى لو كان ذلك يعني تحمل أكبر الأخطار، والتدمير، والموت، والولادة من جديد. يمشي البعض للهبوط إلى العالم السفلي، أو ليرتقي إلى السماء. إنها جسور بين مستويات الواقع. عند السومريين، تهبط إينانا (أو عشتار) إلى العالم السفلي لتطيح بأختها إريشكيجال، مجتازةً سبع بوابات بروح التضحية والولادة من جديد: عليها أن تتخلى عن إحدى زيناتها عند كُلّ عتبة. إن رحلتها رحلتها نزول طقوسي لا تعود منه إلا بعد أن تكون قد دُمِّرت رمزياً ثمّ تُبعث من جديد
وفي الأسطورة الإغريقيّة، تمشي ديميتر Déméter، في هيئة عجوز، تسعة أيّام وتسع ليالٍ بحثاً عن ابنتها بيرسيفوني Perséphone، التي خطفها هاديس، إله العالم السفلي. كانت خطواتها بطيئة، مثقلة بالحزن، لا تستحضر روعة الإبداعات الطبيعة، بل توقف الفصول، وتعليق الحصاد، والعقم، ما دامت لم تجد ابنتها بعد. كذلك أورفيوس، وهرقل، وديونيسوس (ناهيك عن يسوع!)، كُلّهم ينفذون مهمة الـ “النزول”، أي النزول إلى الجحيم على الأقدام، مع مجازفة عدم العودة. من خلال هذا المرور الحاسم في طقوسهم التمهيدية، يتعرض الآلهة السائرون للتفكك، لكنهم يعودون حاملين معرفة بالموت. وآخرون يمشون لأنهم يفرّون، أو يبحثون، أو فقدوا كُلّ شيء. لم تعد قوتهم سوى ذكرى. وليس ثمّة حديث عن التعليم أو الهداية. عند شعوب القطب الشمالي، يُحكَى عن أرواح أو آلهة شامانية تمشي وحيدة في البرد القارس، لتحافظ على توازن العالم على حساب عزلتها. وأحياناً، لم تعد الآلهة تمشي بيننا.
كما أنهم لا يسيرون إلى الأبد. عاجلاً أم آجلاً، إمّا لأنهم وجدوا مقاماً يستقرون فيه، وإما لأنهم كفّوا عن مرافقتنا، فإنهم يتوقفون. في الهندوسية، بعد ظهور معجزة، “يثبت” بعض الآلهة أنفسهم في مزار يتحوّل إلى نقطة اتصال دائمة. لم يعد على الحاجّ أن ينتظرهم في الطرقات: فالآلهة تأتوي إليهم. وفي الديانات الإفريقيّة أو ديانات أميركا الوسطى، تُحمَل تماثيل بعض الآلهة أو الأسلاف في مواكب: إنها «تمشي»، لكن من خلال حركات المؤمنين. ثمّ تعود إلى مقامها، وتتجمّد في الفضاء الطقسي، وتنتظر من يأتي إليها. في هذه الحال، يتّخذ المقدّس شكلاً ثابتاً. لكن في كثير من التقاليد، تتوقف الآلهة عن المشي حين لا تعود البشريّة جديرة بها. وهذا الانسحاب يُحدث فراغاً، تقع مسؤوليته علينا وحدنا: ماذا لو أن الآلهة توقّفت عن المشي لأننا توقفنا عن الإصغاء إليها؟ إن حضورها ليس مضموناً إلى الأبد.
لكن نحن أيضاً نعرف كيف نُراوغ بين عالمين. فبالمشي، إذا كان الإله يتأنسن، فإن الإنسان يتألَّه. تمتلك الديانات التوحيديّة الكبرى رموزها من السائرين: موسى يهيم أربعين عاماً في الصحراء قبل أن يبلغ الأرض الموعودة؛ والنبي محمّد يفرّ من مكة إلى المدينة، وهي مسيرة تُؤسّس للهجرة؛ والنُسّاك المسيحيون ينسحبون إلى الصحراء، ثمّ يخرجون منها ببطء وقد تحوّلوا في أعماقهم. فليس المقصد هو من يُقدّس الطريق، بل هشاشة الحركة، ومثابرتها، وعزلتها. الرهبان المتنسكون، سواء كانوا مسيحيين أو بوذيين، يجسّدون أيضاً هذه الصورة للمسافر المقدّس. فقد كان فرنسيس الأسيزي يجوب الطرقات حافياً، يبشّر بالسلام للإنسان والحيوان على حدٍّ سواء، يعيش في فقرٍ كامل، رافضاً الاستقرار كي يسمو أكثر.
وبالمثل، في بوذية الزن، كان رهبان اليابان يمارسون المشي الصامت (كينهن) بين جلستيّ تأمل في الجلوس: كُلّ خطوة تتحوّل إلى صلاة متحركة، وإلى نفسٍ متجسّد، وتذكير بأن الاستنارة ليست ومضة مفاجئة، بل طريق طويل. وبعضهم، مثل رهبان اليامابوشي [رهبان جبال يابانيون يمارسون ديانة الشوجيندو]، يذهبون إلى حدّ عبور الغابات والوديان لمواجهة العناصر وأنفسهم، يمشون ليس للفرار من العالم، ولكن للتواصل معه على نحو أعمق.
تتيح لنا اليوم إعادة سلوك مسارات زمن الأحلام لدى السكان الأصليين في أستراليا أن نتتبع نظام العالم من خلال جغرافيته المقدسة. إن مسارات الأحلام الأسترالية رمزيّة في هذا السياق: بسلوكها، يعيد الإنسان ربط خطاه بخطى الكائنات الأولى؛ ممّا يضمن استمرارية العالم. ويصبح الفضاء نصّاً مغنًّى؛ حيث يتطابق كُلّ بيت من الشِّعر مع مرحلة من مراحل الرحلة الإلهية. ويغدو المشهد الطبيعيّ بأكمله كتاباً مقدساً متحركاً. وتصبح مشية الإنسان صدى لمسيرة الكائنات ذات الجوهر الإلهي. والسؤال الذي يطرح نفسه أيضاً في مناسك الحج، هل يمكن أن نقترب من الإله من خلال السير على خطاه؟
في جميع الثقافات، هناك بشر يمشون على آثار الإله: تمشي مثل الآلهة، ولا تعرف إلى أين تتجه، ولكن أن تثق بالطريق. يعني أن تواكب، خطوة بخطوة، شيئاً أعظم منك. إن المشي الروحي يذكّرنا، ببطئه أو صمته، أن الحقيقة لا تنزل دائماً من السماء: فأحيانًا، يُعثر عليها سيراً على الأقدام، على الطريق. في الرواية الحديثة، بينما الآلهة في رواية “الآلهة الأميركيّة” لنيل غايمان تستقل الحافلة، وقد سئمت من كونها منسية، فإن أسطورة الإله السائر تُبعث مجدداً، متجسداً في صورة الإنسان التائه، ذلك الإنسان الذي يكون، غالباً، شبه إله رغماً عنه، يتلقى دروسه من المحنة. في رواية “سيد الخواتم” للكاتب الإنجليزيّ ج.ر.ر. تولكين، يتقدم فرودو، كحاج صغير مثقل بحِملٍ كوني: يتعثّر، يشكّ، منهك… لكنه ينقذ العالم مشياً، لا قتالاً. وغاندالف، كأنه أودين عائد من الموت، يرشد ويختفي، يموت ويعود، كإله لا يصرّح بألوهيته. وكذلك هاري بوتر، يتسكع بين العوالم، بلا اتجاه، متخفياً لشهور، قبل مواجهته الأخيرة مع فولدمورت.
لقد ورث هؤلاء السائرون قصص الأقدمين: إنهم يذكروننا بأن القوة لا تكمن في الرعد فحسب، بل في المسيرة البطيئة والضعيفة نحو الحقيقة على المستوى الإنسانيّ. كُلّ هؤلاء السائرين هم ورثة الحكايات القديمة: يذكّروننا بأن القوة لا تكمن فقط في الرعد، بل أيضاً في المشي.. البطيء، الضعيف، نحو حقيقةٍ في متناول الإنسان. فكلا، الآلهة لا يجلسون على عروشهم. إنهم يمشون. ولعلهم يدعوننا أن نمشي معهم. خطوة بعد خطوة. من دون مجد، لكن بكُلّ معنى.
من الأولمب إلى الشامان: العرج الإلهي
كيف يمكن أن نتصوّر أن كائناً إلهياً، يُفترض أن يُجسّد الكمال، والسيطرة، والعمودية السامية، قد يسير اعرجاً، مترنّحاً؟ ومع ذلك، أنتجت عدة تقاليد دينيّة وأسطوريّة صوراً لآلهة غير متوازنين، مصابين، بعاهة في الساق أو الورك. ففي الميثولوجيا الإغريقيّة، يظهر هيفايستوس، إله النار والحدادة، كالإله الأعرج الوحيد في الأولمب. في بعض الروايات، وُلد مشوّهاً، فرمتْه أمه هيرا من قمة الأولمب. وفي روايات أخرى، هو الذي طرده زيوس من السماء، فسقط وتهشّمت ساقاه عند الارتطام. سيظل منبوذاً، وموضع سخرية.. ولكن لا غنى عنه: فمن دونه، لا أسلحة للآلهة، ولا قصور، ولا تقنيات سماويّة. إنه يُجسّد عمل النار والمادة والتحوّل – وهذا التحوّل يشمل الجرح أيضاً. وفي بعض الروايات الإسكندنافيّة أو الجرمانيّة، يظهر الشامان أو الإله الحكيم وهو يعرج؛ لأنه زار عوالم أخرى، ورأى ما لا يُرى. المعرفة لها ثمن: وركٌ مُتحرك، وساقٌ مُرتخية. لم يعد الجسدُ يتبع خطَّ العالم بدقة. العرجُ هنا يُشير إلى أثرٍ مُتبقٍّ لمرورٍ بين الأبعاد، ليس عيباً، بل وصمةٌ تُلازم المسافر بين العوالم. تُذكرنا هذه الآلهة العَرْجى بحقيقةٍ أعمق من القدرة المطلقة: قد يكمن المُقدَّس أيضاً في الهشاشة، والنقص، والتنافر. ويبدأ المسار الروحيّ أحياناً لحظةَ تعثرنا.
المصدر:
Les GRANDS DOSSIERS DES SCIENCES HUMAINES No79 juin-juillet-août 2025.





