مراكش.. اعتداءات على الأشخاص والممتلكات تعيد سؤال التكفل بالمرضى النفسيين

كش بريس/التحرير ـ

في ظرف أسبوع واحد، شهدت مراكش وعدد من المناطق المحيطة بها واقعتين منفصلتين تورط فيهما شخصان يعانيان، وفق المعطيات المتداولة، من اضطرابات عقلية، وأسفرتا عن أضرار مادية واعتداءات جسدية أعادت إلى الواجهة إشكالية التعامل مع الأشخاص الذين يوجدون في وضعية اضطراب نفسي أو عقلي ويعيشون في الشارع دون مواكبة علاجية واجتماعية كافية.

ففي تجزئة إيزيكي بمراكش، شهدت إحدى الصيدليات واقعة أثارت استياء العاملين والمهنيين، بعدما أقدم شخص مختل عقلياً، وفق المعطيات المتوفرة، على تكسير واجهة صيدلية التوفيق وإسقاط علامتها التجارية المعلقة، قبل أن يوجه اعتداءات إلى موظفات داخل الصيدلية.

وحسب المعطيات المتداولة، فإن صاحب الصيدلية سبق أن تقدم بعدة شكايات أملاً في وضع حد لهذه التصرفات وتأمين محيط المؤسسة، كما طالب بالتدخل من أجل نقل المعني بالأمر إلى مؤسسة استشفائية لتلقي الرعاية اللازمة، غير أن تلك المحاولات لم تفض، وفق إفاداته، إلى معالجة الوضع بشكل يحول دون تكرار الاعتداء.

ولم تتوقف الوقائع عند الأضرار التي لحقت بالممتلكات والعاملين، إذ شهد دوار أيت داود، التابع لجماعة أكفاي بضواحي مراكش، حادثاً آخر بعدما أقدم شخص يعاني، وفق المعطيات الأولية، من اضطرابات عقلية على مهاجمة أب لثلاثة أطفال، متسبباً له في إصابات على مستوى الرأس استدعت نقله إلى المستشفى لتلقي الإسعافات والعلاجات الضرورية.

وخلف الاعتداء حالة من الخوف والاستياء وسط سكان الدوار، خصوصاً أن الواقعة مست أحد أبناء المنطقة داخل المجال السكني، فيما تصاعدت مطالب السكان بضرورة تدخل الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية المواطنين، وفي الوقت نفسه ضمان التكفل بالأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية بدل تركهم عرضة للتشرد وللخطر على أنفسهم وعلى المحيطين بهم.

وتكشف الوقائع المتتالية عن مفارقة اجتماعية وقانونية شديدة التعقيد: كيف يمكن حماية المجتمع من الاعتداءات، من دون تحويل المرض النفسي أو الاضطراب العقلي في حد ذاته إلى قرينة على الخطورة أو إلى مبرر للإقصاء؟ فالشخص الذي يعاني اضطراباً عقلياً يحتاج، من الناحية الإنسانية والطبية، إلى التشخيص والعلاج والرعاية، فيما تظل حماية الأشخاص والممتلكات واجباً لا يمكن تأجيله إلى ما بعد وقوع الاعتداء.

وتزداد صعوبة هذه المعادلة عندما تتكرر الشكايات دون أن تقود إلى حل مستدام، أو عندما يجد المواطنون أنفسهم أمام أشخاص في وضعية نفسية غير مستقرة يتنقلون في الفضاء العام من دون متابعة علاجية أو اجتماعية منتظمة. ففي مثل هذه الحالات، تصبح الاستجابة الأمنية وحدها غير كافية، كما أن ترك الوضع من دون تدخل مؤسساتي قد يفاقم المخاطر على الجميع.

وتطرح الوقائع أيضاً سؤالاً أوسع حول منظومة التكفل بالصحة النفسية، ولا سيما في ما يتعلق بقدرة المؤسسات الاستشفائية والاجتماعية على استقبال الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل، وآليات الإحالة والمتابعة بعد الخروج من المستشفى، إضافة إلى التنسيق بين السلطات الصحية والأمنية والجماعات الترابية ومصالح الحماية الاجتماعية.

ومن منظور حقوقي وإنساني، فإن معالجة الظاهرة تقتضي الابتعاد عن التعميم والوصم، لأن الاضطراب العقلي لا يعني تلقائياً العنف أو الخطورة. غير أن الحالات التي يظهر فيها سلوك عدواني أو خطر وشيك تستوجب تدخلاً مؤسساتياً سريعاً ومهنياً، يجمع بين حماية الضحايا وتوفير الرعاية للشخص المعني، وفق الضوابط القانونية والطبية المعمول بها.

وبين صيدلية تعرضت للتخريب، وموظفات واجهن الاعتداء، وأب لثلاثة أطفال انتهى به الأمر في المستشفى، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة تتجاوز منطق انتظار الحادثة التالية. فالمطلوب، وفق مطالب الساكنة والمهنيين، هو بناء سلسلة متكاملة للتدخل والتكفل، تجعل الوقاية والعلاج والمتابعة جزءاً من سياسة عمومية واضحة، بدل أن يظل الشارع المجال الذي تُدار فيه أزمات الصحة النفسية بعد أن تتحول إلى خطر على الأشخاص والممتلكات.

Exit mobile version