‏آخر المستجداتلحظة تفكير

مصطفى المنوزي: الصحراء وسؤال الزمن الافتراضي.. انتقال نحو الحل أم إرجاء للحسم؟

تقتضي الغيرة الوطنية مساءلة المسار التفاوضي بقدر ما تقتضي تثمين مكاسبه ؛ فالدفاع عن القضية الوطنية يتطلب تقديرًا نقديًا لما تحقق، وما بقي معلقًا، وما قد ينشأ من مخاطر أثناء الانتقال من الدعم الدبلوماسي إلى التسوية المؤسسية؛ ومن هذا المنطلق، تستدعي المعطيات الصحفية المنقولة عن التقرير الأممي الأخير، بشأن اتفاق إطاري ومرحلة انتقالية وضمانات دولية وتشاور مع السكان، أسئلة يقظة، مع ضرورة تثبيت مضامينها بالرجوع إلى النص الأصلي.
السؤال الأول يتعلق بالعلاقة بين تقدم الخيار وتأخر الحسم فإذا كان الحكم الذاتي قد راكم دعمًا دوليًا متزايدًا، فهل تتيح هذه الترتيبات الجديدة تحويل هذا الدعم إلى التزامات قابلة للتنفيذ، أم تفتح مسارًا إضافيًا تتكاثر داخله الشروط قبل استقرار الاتفاق؟ وهل تصبح التفاصيل جسرًا نحو الحل، أم مجالًا لإعادة إنتاج الخلاف حول ما بدا أنه يتجه إلى التوافق؟
لا تحمل المرحلة الانتقالية معنى واحدًا بالضرورة ، فقد تساعد على بناء الثقة، وترتيب العودة والإدماج والمصالحة، وتهيئة المؤسسات ؛ لكن جدواها تظل مرتبطة بوضوح اختصاصاتها وآجالها ومعايير انتهائها. فمن يحدد أن الانتقال قد استوفى غرضه؟ وماذا يحدث إذا امتنع أحد الأطراف عن تنفيذ التزاماته؟ وهل يمكن أن تتحول صفة «المؤقت» إلى وضع مستديم، تُرحَّل داخله التسوية من موعد إلى آخر؟
وإذا تأكد طرح مجلس انتقالي، فإن الغيرة الوطنية تقتضي توجيه المساءلة إلى مصدر شرعيته وحدود سلطته وعلاقته بالمؤسسات القائمة ؛ فهل يتولى التنسيق وتنفيذ التزامات محددة، أم يمتلك صلاحيات تقريرية؟ وكيف تتحدد عضويته وتمثيليته؟ وما الآليات التي تمنع تنازع الاختصاصات؟ فاسم المؤسسة لا يكشف وحده أثرها؛ إنما يكشفه موقعها داخل توزيع السلطة والمسؤولية.
أما الضمانات الدولية، فينبغي تحديد موضوعها قبل تقييمها؛ هل تضمن الحقوق واستقرار الاختصاصات وتنفيذ الاتفاق، أم تمنح الجهات الضامنة سلطة التدخل في تدبيره وتأويله؟ ولأي مدة؟ وبأية مساطر؟ إن الضمان الواضح قد يبني الثقة، بينما قد ينتج الغموض تبعية متجددة للخارج كلما نشأ خلاف داخلي.
وينطبق الأمر نفسه على التشاور مع السكان ؛ فمن يشارك فيه؟ وعلى أي نص؟ وكيف تُضمن حرية التعبير وتعدد المواقف؟ وما الأثر المترتب على نتائجه؟ إن شرعية التسوية تتطلب وضوح الإجراء ومضمونه، حتى لا يبقى التشاور عبارة مرنة تحمل كثير من التأويلات المتعارضة، أو يصبح عقدة تفاوضية جديدة تؤجل ما يفترض أن تساعد على إقراره.
هنا يبرز سؤال الزمن بوصفه موردًا سياسيًا ؛ فالأطراف لا تفاوض على الاختصاصات والضمانات وحدها؛ إنها قد تراهن أيضًا على تغير الظروف. ومن ثم، يجوز توقع احتمال انتظار تبدل أولويات الجهات الراعية أو ضعف زخمها، دون تحويل هذا الاحتمال إلى اتهام مثبت بالتعطيل ؛ لأنه في السياق الأمريكي، فإن الاستحقاق القريب هو انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر 2026، مؤثرا ذلك في مقاربة ترامب شخصيا ، أي قد تؤثر نتائجها في قدرة الإدارة على ترتيب أولوياتها وحشد الدعم لخياراتها، غير أن تغير ميزان الكونغرس لا يعني تلقائيًا تغير الموقف الأمريكي من الصحراء. لذلك يصبح السؤال: كيف تُحوَّل الفرصة الدبلوماسية الراهنة إلى التزامات مؤسسية تصمد أمام تبدل الأشخاص والأولويات؟
من منظور التفكير النقدي التوقعي، يُختبر احتمال التماطل بمؤشرات ملموسة عبر سؤال : هل تتقدم صياغة الاتفاق؟ هل تُثبت نقاط التوافق؟ هل تتحدد الآجال والمسؤوليات؟ هل تقترن الاجتماعات بخطوات قابلة للتحقق؟ أم تتكرر رزمانة المسودات والمشاورات، بينما تظل القضايا الأساسية معلقة؟ فالتراجع يُقاس بتغير مضمون الالتزامات، والتمـاطل يُقاس بسلوك تنفيذها ؛ وقد
يتصل بذلك سؤال داخلي لا يقل أهمية: كيف يواكب المجتمع المغربي مسارًا يمس مستقبل البلاد؟ وما دور البرلمان والأحزاب والجامعة والفاعلين الحقوقيين في إعداد شروطه القانونية والمؤسسية؟ إن احترام ما تتطلبه المفاوضات من تحفظ لا يلغي الحاجة إلى نقاش وطني مسؤول، يميز بين المعلومة المؤكدة والفرضية، ويتيح مساءلة الخيارات دون تخوين النقد أو تحويل القلق إلى تهويل ، لأن الغيرة الوطنية هنا ممارسة للعقل وكذا شق المسؤولية: تثمين للتقدم، وفحص لضماناته، واستعداد لمخاطره. فكيف نضمن أن تكون المرحلة الانتقالية محدودة الأجل، وأن يصبح الحكم الذاتي اقتدارًا مؤسسيًا فعليًا، وأن تخدم الضمانات استقرار التسوية، وأن يبني التشاور شرعيتها؟
ويبقى السؤال الجامع: هل نملك معايير واضحة تتيح لنا معرفة أن الزمن يعمل لصالح الحل، أم قد نكتشف متأخرين أن انتظار الحسم صار آلية لإرجائه؟

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button