‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

من 50,35% في 2021 إلى 38,02% في 2026.. تراجع لافت في المشاركة الانتخابية

كش بريس/التحرير ـ

لم يكن الرقم الذي أعلنت عنه وزارة الداخلية، مساء الأربعاء، مجرد معطى تقني يطوي صفحة الاقتراع ويفتح مرحلة فرز الأصوات. فبلوغ نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 38,02 في المائة على المستوى الوطني يعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل ملازماً للتجربة الانتخابية المغربية خلال العقود الأخيرة: ماذا تقول نسبة المشاركة عن علاقة المواطن بالسياسة، وعن مكانة الانتخابات داخل المجال العام؟

وأعلنت وزارة الداخلية، عقب إغلاق مكاتب التصويت في السابعة مساء، أن معدل المشاركة بلغ 38,02 في المائة، استناداً إلى المعطيات المتوصل بها من مختلف العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات. وأوضحت أن عملية الاقتراع جرت، باستثناء حالات معزولة جداً همت عدداً محدوداً من المكاتب، في ظروف عادية على مستوى مختلف جهات المملكة.

وعند وضع هذا الرقم في سياقه التاريخي، تبرز دلالته بوضوح أكبر. فالنسبة المعلنة في 2026 لا تفصلها سوى 1,02 نقطة مئوية عن نسبة 37 في المائة المسجلة في الانتخابات التشريعية لسابع شتنبر 2007، وهي النسبة التي شكلت آنذاك أدنى مستوى للمشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية منذ الاستقلال، قبل أن تعرف المشاركة ارتفاعاً في 2011 ثم 2021. وتظهر بيانات الانتخابات السابقة أن المشاركة بلغت 51,61 في المائة سنة 2002، ثم هبطت إلى 37 في المائة سنة 2007، قبل أن ترتفع إلى 45,4 في المائة في 2011، ونحو 42,3 في المائة في 2016، ثم إلى 50,35 في المائة سنة 2021.

من صعود المشاركة إلى قاع 2007

يكشف المسار التاريخي أن المشاركة الانتخابية المغربية لم تتحرك في خط تصاعدي مستقر. فقد سجلت الانتخابات الأولى بعد الاستقلال، سنة 1963، مشاركة مرتفعة، ثم بلغت مستويات أعلى خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تدخل منذ ثمانينيات القرن الماضي في مسار تنازلي طويل.

وتشير المعطيات التاريخية المتداولة إلى مشاركة في حدود 71,9 في المائة سنة 1963، و82,3 في المائة سنة 1977، ثم 67,4 في المائة سنة 1984، و58,3 في المائة سنة 1997، قبل أن تتراجع إلى 51,61 في المائة سنة 2002. وفي 2007 حدث الانخفاض الأكثر حدة، إذ لم تتجاوز المشاركة 37 في المائة.

ثم جاء 2011 ليحمل ارتفاعاً إلى نحو 45,4 في المائة، في سياق سياسي واجتماعي استثنائي ارتبط بدينامية الحراك الذي عرفه المغرب والمنطقة العربية، وبالإصلاحات الدستورية والانتخابات المبكرة التي أعقبتها. وسجلت انتخابات 2016 نحو 42,3 في المائة، قبل أن ترتفع المشاركة إلى 50,35 في المائة في انتخابات 2021.

غير أن مقارنة الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فطريقة تنظيم الانتخابات والسياق السياسي والقانوني تختلف من محطة إلى أخرى، كما أن انتخابات 2021 جرت بالتزامن مع الانتخابات الجماعية والجهوية، وهو عامل اعتبرته تحليلات انتخابية أحد العناصر التي ساهمت في رفع مستوى المشاركة.

2007.. حين لم يعد الرقم كافياً

تكمن أهمية انتخابات 2007 في أن نسبة الـ37 في المائة لم تكن تعكس فقط تراجعاً مقارنة بالمحطات السابقة، وإنما دفعت بقوة إلى طرح سؤال أوسع حول حجم الهيئة الانتخابية التي تشارك فعلياً في إنتاج المؤسسات المنتخبة.

فوفق معطيات إحصائية واردة في دراسة حول الجسم الانتخابي المغربي، كان عدد السكان في سن التصويت سنة 2007 يقدر بنحو 20,55 مليون شخص، مقابل حوالي 15,51 مليوناً من المسجلين في اللوائح الانتخابية. وبلغ عدد المصوتين فعلياً نحو 5,72 ملايين، فيما بلغ عدد الأصوات الصحيحة حوالي 4,59 ملايين.

وتسمح هذه الأرقام بإجراء قراءة مختلفة للمشاركة. فإذا احتُسب التصويت قياساً إلى مجموع السكان الذين كانوا في سن التصويت، فإن نسبة من أدلوا بأصواتهم فعلياً لا تتجاوز تقريباً 27,8 في المائة، بينما لا تتجاوز حصة الأصوات الصحيحة من هذه الفئة نحو 22,3 في المائة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين نسبة المشاركة الرسمية التي تُحتسب عادة انطلاقاً من المسجلين في اللوائح الانتخابية، وبين المشاركة قياساً إلى مجموع السكان الذين يستوفون سن التصويت. فالنسبتان تجيبان عن سؤالين مختلفين، ولا يجوز استخدام إحداهما بوصفها بديلاً عن الأخرى.

وتؤكد بيانات IFES أن انتخابات 2007 عرفت 5,721,073 مصوتاً من أصل 15,462,362 ناخباً مسجلاً، مع 4,634,070 صوتاً صحيحاً بحسب بياناتها، وهو ما يوضح كذلك حجم الفارق بين المشاركة الفعلية وبين الأصوات التي انتهت إلى أصوات صحيحة محتسبة.

ماذا تقول 38,02 في المائة اليوم؟

من المبكر تحويل رقم 38,02 في المائة إلى تفسير سياسي واحد. فالامتناع عن التصويت لا يحمل بالضرورة معنى واحداً، ولا يمكن اختزاله آلياً في رفض الأحزاب أو فقدان الثقة في المؤسسات. فقد يتداخل فيه البعد السياسي مع عوامل اجتماعية وديموغرافية ومجالية، فضلاً عن علاقة الناخب باللوائح الانتخابية، وطبيعة الحملات، والرهانات التي حملتها الانتخابات بالنسبة إلى مختلف الفئات.

لكن المقارنة التاريخية تظل ذات دلالة: المشاركة المعلنة في 2026 تقع قريباً جداً من مستوى 2007، وتأتي بعد انتخابات 2021 التي سجلت 50,35 في المائة. وهذا الانخفاض الكبير بين المحطتين يستحق أن يكون موضوعاً للتحليل، خصوصاً بعد اكتمال المعطيات المتعلقة بعدد المصوتين، والأصوات الصحيحة والملغاة، ونسب المشاركة حسب الجهات والدوائر والفئات العمرية إن توفرت.

فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد الأشخاص الذين وصلوا إلى مكاتب التصويت، وإنما أيضاً بالسؤال عن المسافة بين الهيئة الناخبة المسجلة والهيئة المواطنة القادرة قانونياً على التصويت. وكلما اتسعت هذه المسافة، أصبحت قراءة الخريطة السياسية أكثر تعقيداً، لأن النتائج الحزبية تُبنى في النهاية على أصوات المشاركين فعلياً، لا على مجموع المواطنين الذين كان بإمكانهم التصويت.

ما بعد الرقم: الخريطة الحزبية هي الجزء الآخر من القصة

ومع ذلك، فإن دلالة انتخابات 23 شتنبر لا تختزل في نسبة المشاركة. فالـ38,02 في المائة تفتح السؤال، لكنها لا تجيب عنه.

الإجابة الأكثر تركيباً ستأتي مع اكتمال عملية الفرز والإحصاء، وظهور عدد الأصوات الصحيحة، وتوزيعها بين اللوائح، والفوارق بين الدوائر المحلية والجهوية، ونسب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب مقارنة بعدد المسجلين، ثم عدد المقاعد التي ستترتب عن ذلك.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأن النظام الانتخابي لا يحول نسبة المشاركة الوطنية بصورة مباشرة إلى حجم تمثيلية كل حزب. فالنتيجة السياسية تتشكل داخل الدوائر الانتخابية، من خلال توزيع الأصوات والمقاعد وفق القواعد المعتمدة، بما يجعل الخريطة الحزبية المقبلة نتاجاً لتفاعل المشاركة مع توزيع الأصوات، لا انعكاساً آلياً لنسبة المشاركة الوطنية وحدها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه انتخابات 23 شتنبر ليس فقط: كم مواطناً ذهب إلى صناديق الاقتراع؟ وإنما أيضاً: كيف توزعت أصوات هؤلاء الذين شاركوا؟ ومن استطاع تحويل المشاركة إلى تمثيلية داخل مجلس النواب؟

قبل ظهور النتائج النهائية، يبقى الرقم الوطني مجرد عتبة أولى في قراءة المشهد. أما المعنى السياسي الكامل للاقتراع فسيتكشف عندما تتحول نسبة الـ38,02 في المائة إلى خرائط وأصوات ومقاعد، وعندما يصبح ممكناً قياس المسافة بين المواطن الذي امتنع، والمواطن الذي صوّت، والصوت الذي انتهى إلى تمثيل سياسي داخل المؤسسة التشريعية.

وهنا تحديداً تستعيد انتخابات 2007 راهنيتها: ليس باعتبارها نسخة تنتظر التكرار، وإنما بوصفها محطة تاريخية جعلت العزوف الانتخابي موضوعاً مركزياً في النقاش السياسي المغربي. أما انتخابات 2026، فقد أعادت الرقم إلى منطقة قريبة من تلك اللحظة، وتركت على النتائج النهائية أن تكشف ما إذا كان هذا التقارب العددي يخفي أيضاً تقارباً في البنية السياسية للمشاركة، أم أن وراء الرقم نفسه تحولات جديدة لم تظهر بعد في صندوق الاقتراع.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button