

كش بريس/التحرير ـ
صدر حديثاً للدكتور نوح رابي كتاب «علم النفس الإيجابي: بناء براديغمات ومفاهيم جديدة بالمغرب»، بتقديم الدكتور مصطفى السعليتي، في إصدار يطمح إلى فتح نقاش أكاديمي حول موقع علم النفس الإيجابي داخل الجامعة المغربية، وحول إمكان الانتقال بهذا الحقل من مجرد استيراد مفاهيمه ونماذجه إلى محاولة إنتاج معرفة نفسية تستحضر الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي.
ويأتي الكتاب، وفق تصور مؤلفه، استجابة لفراغ أكاديمي ومؤسساتي يطبع حضور علم النفس الإيجابي في المغرب، سواء على مستوى التكوين الجامعي أو في المجالات التربوية والصحية والمهنية والأسرية. ويعتبر رابي أن محدودية حضور هذا التخصص في هذه المجالات تمثل فجوة معرفية، بالنظر إلى تنامي الحاجة إلى مقاربات لا تركز فقط على الاضطراب والمرض النفسي، وإنما تبحث أيضاً في شروط بناء الرفاه النفسي والقدرة على التكيف وتحقيق المعنى.
من علم نفس المرض إلى علم نفس الإمكان
يقوم الكتاب على تحول أساسي في زاوية النظر إلى الإنسان: الانتقال من التركيز الحصري على تشخيص الاضطرابات ومعالجة الاختلالات إلى دراسة الإمكانات والقوى والموارد النفسية التي تمكن الفرد من بناء حياة أكثر توازناً وفاعلية.
وهنا يستند علم النفس الإيجابي إلى سؤال مختلف: ما الذي يجعل الإنسان قادراً على الازدهار، وليس فقط على تجاوز المرض؟
فإذا كان علم النفس التقليدي قد راكم معرفة واسعة حول الاكتئاب والقلق والصدمات والاضطرابات والسلوكيات المرضية، فإن علم النفس الإيجابي حاول توسيع مجال السؤال ليشمل مفاهيم من قبيل السعادة والرضا عن الحياة، والمرونة النفسية، والأمل، والامتنان، ونقاط القوة، والعلاقات الإيجابية، والانخراط في الحياة، والشعور بالمعنى.
ومن هذه الزاوية، يندرج الكتاب ضمن التحول الذي شهده علم النفس منذ نهاية القرن العشرين، خصوصاً مع أعمال مارتن سليغمان وميهالي تشيكسنتميهالي، حيث انتقل الاهتمام تدريجياً من سؤال «ما الذي يجعل الإنسان مريضاً؟» إلى سؤال موازٍ هو «ما الذي يجعل الإنسان مزدهراً وقادراً على عيش حياة ذات معنى؟».
السعادة ليست وصفة جاهزة
يضع الدكتور نوح رابي مفهوم «السعادة الحقيقية»، أو le bonheur authentique في الأدبيات المرتبطة بسليغمان، ضمن صلب النقاش الذي يطرحه الكتاب.
غير أن أهمية المقاربة التي يقترحها تكمن في محاولة الفصل بين علم النفس الإيجابي وبين الاستخدامات التجارية والمبسطة لمفردات السعادة والتنمية الذاتية. فالسعادة، وفق المنظور العلمي، لا تختزل في نصائح جاهزة أو عبارات تحفيزية أو «اختصارات» نفسية سريعة.
ذلك أن الرفاه النفسي بناء معقد تتداخل فيه عوامل شخصية واجتماعية وثقافية واقتصادية وعلاقية. ومن ثم فإن تحويل السعادة إلى مسؤولية فردية خالصة قد يقود إلى تجاهل السياقات التي تنتج الضغط والحرمان والقلق وانعدام الأمان.
وهنا تبرز إحدى القضايا الأكاديمية المهمة التي يفتحها الكتاب: كيف يمكن لعلم النفس الإيجابي أن يوازن بين تنمية القدرات الفردية وبين الاعتراف بالبنى الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في الحياة النفسية؟
هل يمكن بناء علم نفس إيجابي مغربي؟
من أبرز رهانات الكتاب محاولة تجاوز النقل الحرفي للنماذج الغربية، والسعي إلى بناء مفاهيم ومقاربات أكثر اتصالاً بالواقع المغربي.
فالمفاهيم النفسية لا تتحرك في فراغ ثقافي؛ إذ تتأثر تصورات الإنسان للسعادة والنجاح والرضا والأسرة والعمل والذات والعلاقات الاجتماعية بالقيم السائدة وأنماط التنشئة واللغة والدين والذاكرة الجماعية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن توطين علم النفس الإيجابي في المغرب يقتضي، أكاديمياً، الانتقال من سؤال استيراد الاختبارات والمفاهيم إلى سؤال إنتاج المعرفة: هل تمتلك السعادة في السياق المغربي الدلالات نفسها التي تمتلكها في المجتمعات الغربية؟ وهل يمكن قياس الرفاه النفسي بالأدوات نفسها؟ وكيف تؤثر الأسرة الممتدة والجماعة والروابط الاجتماعية والتضامن والتمثلات الثقافية في بناء الذات السعيدة؟
وهي أسئلة تجعل المشروع، في أبعاده الأعمق، محاولة لتأسيس علم نفس إيجابي حساس للسياق الثقافي، بدلاً من التعامل مع الإنسان باعتباره نموذجاً نفسياً كونياً منفصلاً عن محيطه.
علم النفس الإيجابي والضغوط الجديدة
ويربط الكتاب انتشار الاهتمام بهذا الحقل بالتحولات التي يعرفها الإنسان المعاصر، حيث تتزايد ضغوط العمل، وتسارع الإيقاع اليومي، والعزلة الاجتماعية، والقلق المرتبط بالمستقبل، فضلاً عن التأثيرات النفسية للبيئة الرقمية.
ويمنح هذا المعطى علم النفس الإيجابي أهمية خاصة، باعتباره يبحث في الموارد التي تمكن الإنسان من تطوير المرونة النفسية، وبناء علاقات أكثر صحة، واكتشاف نقاط القوة، وإعادة صياغة علاقته بالفشل والضغط والمستقبل.
غير أن المقاربة العلمية تظل مطالبة هنا بتجنب تحويل الفرد إلى المسؤول الوحيد عن معاناته؛ فليس كل ضغط قابلاً للحل عبر تغيير طريقة التفكير، ولا كل أزمة نفسية نتاجاً لضعف في الإرادة أو غياب التفكير الإيجابي. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لعلم النفس الإيجابي تكمن في قدرته على العمل داخل شبكة من العوامل النفسية والاجتماعية والمؤسساتية، لا في تقديم السعادة كحل فردي شامل.
«الكوتشينغ» وعلم النفس الإيجابي.. ضرورة التمييز
ومن القضايا التي يوليها الكتاب أهمية خاصة التمييز بين علم النفس الإيجابي باعتباره حقلاً علمياً يقوم على البحث والنظريات والأدلة التجريبية، وبين الكوتشينغ باعتباره مجموعة من الممارسات والتطبيقات التي يمكن أن تستفيد من بعض نتائج علم النفس الإيجابي.
ويكتسي هذا التمييز أهمية علمية ومهنية، خصوصاً مع الانتشار الواسع لخطابات التنمية الذاتية والتدريب والتحفيز، التي تستعمل أحياناً مفاهيم نفسية دون الالتزام بالصرامة المنهجية التي تميز المعرفة العلمية.
وبذلك يساهم الكتاب في إعادة رسم الحدود بين المعرفة النفسية القائمة على الدليل وبين الخطابات التحفيزية التي قد تستعير مفردات علم النفس دون أن تكون بالضرورة جزءاً منه.
من الجامعة إلى المدرسة والأسرة والعمل
ولا يقف المشروع عند حدود النقاش الأكاديمي، إذ يفتح الكتاب المجال أمام إمكانات تطبيق علم النفس الإيجابي في المدرسة والأسرة ومحيط العمل والمجال الصحي.
ففي المجال التربوي، يمكن لمفاهيم مثل المرونة والدافعية ونقاط القوة والشعور بالانتماء أن تساهم في تطوير مقاربات جديدة للنجاح المدرسي والصحة النفسية للمتعلمين.
وفي المجال المهني، يمكن الاستفادة من دراسة الرضا الوظيفي والاندماج والتحفيز والعلاقات داخل بيئة العمل، بينما يمكن في المجال الأسري توظيف مقاربات تساعد على فهم العلاقات الإيجابية والتواصل والدعم النفسي.
أما في المجال الصحي، فيمكن لهذا الحقل أن يساهم في توسيع مفهوم الصحة النفسية، من علاج الاضطراب إلى تعزيز الرفاه والوقاية وبناء الموارد النفسية.
كتاب يطرح سؤالا أكثر من تقديم وصفة
وتكمن أهمية الإصدار، في نهاية المطاف، في أنه لا يطرح علم النفس الإيجابي باعتباره وصفة جاهزة للسعادة، وإنما يفتح سؤالاً معرفياً حول كيفية بناء علم نفس أكثر اهتماماً بإمكانات الإنسان، وأكثر قدرة على قراءة خصوصيات المجتمع الذي يشتغل داخله.
ومن هذه الزاوية، يمثل كتاب «علم النفس الإيجابي: بناء براديغمات ومفاهيم جديدة بالمغرب» محاولة لنقل النقاش من مستوى التعريف بهذا التخصص إلى مستوى أكثر طموحاً يتعلق بإمكان إنتاج مفاهيم ونماذج وأدوات تنطلق من الواقع المغربي نفسه.
وإذا كان علم النفس الإيجابي قد أعاد توجيه جزء من الاهتمام العلمي نحو سؤال الرفاه والازدهار الإنساني، فإن الرهان المغربي يظل أعمق: كيف نبني معرفة نفسية لا تكتفي بفهم الإنسان المغربي، وإنما تنطلق من لغته وثقافته وتحولاته الاجتماعية لصياغة مفاهيم أكثر قدرة على تفسير تجربته النفسية؟
ومن هنا يمكن قراءة الكتاب باعتباره مساهمة في نقاش أوسع حول مستقبل العلوم الإنسانية بالمغرب، وحول الحاجة إلى الانتقال من استهلاك النظريات والمفاهيم إلى توطينها ونقدها وإعادة إنتاجها معرفياً داخل السياق المغربي.



