‏آخر المستجداتبقية العالم

باريس وملفات إبستين: تحقيق يفتح صفحة أوروبية في واحدة من أكبر الفضائح العالمية

كش بريس/خاص ـ في واحدة من أكثر القضايا التي كشفت التداخل المعقد بين الثروة والنفوذ والشبكات العابرة للحدود، أعاد تحقيق صحفي مطول نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية تسليط الضوء على الدور الذي لعبته باريس داخل منظومة الأنشطة التي ارتبطت بالملياردير الأمريكي جيفري إبستين، المدان في قضايا الاعتداء الجنسي على القاصرات. التحقيق يكشف أن العاصمة الفرنسية لم تكن مجرد محطة عابرة في تنقلاته، بل كانت فضاءً مركزياً داخل شبكة علاقاته وأنشطته التي امتدت لسنوات طويلة في أوروبا.

شقة باريس… عنوان فخم يخفي شبكة علاقات معقدة

بحسب التحقيق، كان إبستين يمتلك شقة فاخرة في شارع أفينيو فوش الراقي بباريس (المبنى رقم 22)، وهي واحدة من أرقى مناطق العاصمة الفرنسية، تقع بالقرب من ساحة شارل ديغول وقوس النصر. غير أن هذه الشقة، التي استعملها قرابة ثمانية عشر عاماً، لم تكن مجرد مسكن فاخر، بل تحولت إلى نقطة التقاء تجمع بين الأعمال والعلاقات الاجتماعية واستقبال شخصيات من مجالات السياسة والمال والثقافة.

وتشير الوثائق القضائية الأمريكية المعروفة باسم “ملفات إبستين” إلى أن رجل الأعمال الأمريكي كان يزور باريس بشكل منتظم، أحياناً لفترات تمتد إلى أسبوعين كل شهرين تقريباً. وخلال هذه الزيارات، كان يجمع بين اجتماعات مع رجال أعمال ومستثمرين وبين لقاءات اجتماعية في أوساط النخبة الباريسية.

وثائق وشهادات تثير شبهة الاستغلال

إلى جانب هذا الوجه الاجتماعي والمالي، يبرز التحقيق شبهة أكثر خطورة تتعلق باستخدام الشقة لاستقبال شابات يتم استقدامهن بحجة العمل في مجال الموضة أو تقديم جلسات تدليك. وقد أظهرت رسائل إلكترونية ووثائق ظهرت لاحقاً أن بعض هؤلاء الفتيات كن قاصرات، وأن شبكة من الوسطاء والمساعدين كانت تلعب دوراً في جلبهن.

وتتحدث شهادات بعض العاملين في الشقة عن زيارات متكررة لفتيات شابات، حيث كان ما بين عشر إلى خمس عشرة فتاة يأتين إلى المكان بشكل دوري، وفق ما نقلته الصحيفة عن موظفين سابقين. كما أشارت عاملة تنظيف إلى أن بعض الشابات كن يزرن الشقة عدة مرات يومياً.

تفتيش 2019: تفاصيل مثيرة داخل الشقة

بعد اعتقال إبستين في الولايات المتحدة سنة 2019، قامت الشرطة الفرنسية بتفتيش الشقة في باريس خلال شهر شتنبر من العام نفسه. وكشف التفتيش عن فضاء داخلي بالغ الفخامة يمتد على أكثر من 700 متر مربع، إضافة إلى شقق صغيرة أخرى في الطابق العلوي.

لكن ما أثار انتباه المحققين كان طبيعة الديكور الذي ضم تماثيل غريبة وعدداً كبيراً من الصور لنساء عاريات موزعة في عدة غرف، خاصة في الغرف الخاصة وغرفة التدليك. كما عُثر على أجهزة كمبيوتر ووسائط تخزين ووثائق مختلفة.

ومن بين أبرز ما تم العثور عليه ملف إلكتروني يتضمن قائمة بأكثر من ستين امرأة، مع تفاصيل مرتبطة بأعمارهن وعلاقات جنسية مزعومة، بما في ذلك إشارات إلى ما إذا كانت الفتاة قاصراً أم بالغة وقت الوقائع. كما تم العثور على صور لفتيات شابات عاريات يُعتقد أن بعضهن كن صغيرات السن.

باريس ضمن شبكة عالمية من العقارات

يشير تحقيق “لوموند” إلى أن شقة باريس لم تكن حالة معزولة، بل جزءاً من شبكة عالمية من الممتلكات التي استخدمها إبستين عبر عدة بلدان. فقد امتلك منازل فاخرة في نيويورك وفلوريدا، إضافة إلى مزرعة واسعة في نيو مكسيكو وجزيرة خاصة في البحر الكاريبي.

وتشير التحقيقات إلى أن هذه المواقع المختلفة كانت تشكل نقاط ارتكاز لنشاطاته، سواء في ما يتعلق بعلاقاته المالية أو بالاتهامات المرتبطة باستغلال النساء والفتيات.

علاقات مع عالم المال والسياسة

خلال زياراته إلى باريس، كان إبستين يقدم نفسه في الغالب بصفته مستشاراً مالياً أو وسيطاً استثمارياً، ويعقد لقاءات مع رجال أعمال ومستثمرين وشخصيات سياسية من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. كما كان يظهر في أماكن معروفة في العاصمة الفرنسية، من مقاهي حي سان جيرمان إلى الفنادق الفاخرة.

هذه العلاقات الاجتماعية والمالية الواسعة ساهمت في بناء صورة رجل أعمال نافذ، وهي الصورة التي ساعدته على التحرك داخل دوائر النخبة لسنوات قبل أن تتكشف الاتهامات التي لاحقته.

شهادات نساء يروين ما حدث

التحقيق الصحفي نقل أيضاً شهادات لنساء قلن إنهن تعرضن لاعتداءات داخل الشقة الباريسية. فقد روت عارضة أزياء فرنسية سابقة أنها تعرضت للاغتصاب سنة 2008 بعد أن تم تقديمها لإبستين من طرف شخص وعدها بفرصة عمل في مجال الموضة.

كما تحدثت امرأة أخرى عن فترة قالت إنها كانت خلالها تحت سيطرته لسنوات، حيث أقامت في إحدى الشقق المرتبطة بالمبنى نفسه، وذكرت أنها تعرضت لاعتداءات متكررة خلال زياراته إلى باريس.

تحقيقات أوروبية وشبهات شبكة منظمة

هذه المعطيات دفعت السلطات القضائية الفرنسية إلى فتح تحقيقات للنظر في احتمال وجود شبكة منظمة للاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي مرتبطة بإبستين داخل أوروبا.

وقد ركزت التحقيقات بشكل خاص على علاقته بوكيل عارضات الأزياء الفرنسي جان-لوك برونيل، الذي اشتبه المحققون في أنه لعب دوراً في استقطاب فتيات شابات للعمل في مجال الأزياء أو السفر إلى أماكن أخرى.

مشروع توسع أوروبي توقف فجأة

وفق ما كشفه التحقيق، كان إبستين يفكر في توسيع وجوده في أوروبا خلال السنوات الأخيرة قبل اعتقاله، بل إنه حاول شراء طابق إضافي في المبنى نفسه بباريس، كما بحث عن عقارات أخرى في فرنسا وعلى ساحل البحر المتوسط.

غير أن هذه الخطط توقفت بشكل مفاجئ عندما تم توقيفه في الولايات المتحدة في يوليو 2019 بعد عودته من رحلة كان قد مر خلالها بباريس. وبعد شهر واحد فقط، عُثر عليه ميتاً داخل زنزانته في أحد السجون الأمريكية، في حادثة أثارت جدلاً واسعاً عالمياً.

قراءة تحليلية: حين تختلط الثروة بالنفوذ

تكشف قضية إبستين، بما فيها تفاصيل شقته الباريسية، عن ظاهرة أوسع من مجرد جريمة فردية. فهي تسلط الضوء على الكيفية التي يمكن أن تتداخل بها الثروة الضخمة والشبكات الاجتماعية الواسعة مع مساحات الإفلات من المساءلة.

كما تطرح هذه القضية أسئلة أعمق حول قدرة المؤسسات، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، على مراقبة نفوذ رجال المال حين يتحول إلى شبكة علاقات عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تبدو باريس في هذا التحقيق ليس فقط مسرحاً ثانوياً للقضية، بل حلقة مهمة في شبكة عالمية كشفت هشاشة التوازن بين النفوذ المالي وآليات العدالة.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button