‏آخر المستجداتبقية العالم

اتفاق واشنطن وطهران يربك الحسابات الإقليمية.. إسرائيل بين صدمة التوقيع ومخاوف ما بعد العقوبات

كش بريس/خاص ـ

في تحول سياسي ودبلوماسي يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع جديد لم تكن تتوقعه بهذه السرعة، بعد الإعلان عن دخول مذكرة تفاهم أمريكية ـ إيرانية حيز التنفيذ، في خطوة تعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين واشنطن وطهران. وبينما تنظر الإدارة الأمريكية إلى الاتفاق باعتباره مدخلاً لاحتواء التوتر وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تتعامل معه إسرائيل باعتباره تنازلاً استراتيجياً قد يمنح إيران مكاسب سياسية واقتصادية ونووية غير مسبوقة.

توقيع إلكتروني مفاجئ يسبق الموعد الرسمي

وكشفت مصادر أمريكية أن الولايات المتحدة وإيران أنجزتا التوقيع الإلكتروني على مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء حالة المواجهة بين الطرفين وضمان إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، على أن يُستكمل المسار السياسي للاتفاق خلال لقاء رسمي مرتقب في سويسرا.

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن الاتفاق دخل حيز التنفيذ فور التوقيع الإلكتروني، رغم أن الإعلان الرسمي كان مقرراً خلال اجتماع مباشر في جنيف. غير أن وساطات وتحركات دبلوماسية متسارعة دفعت نحو تسريع الإجراءات، في ظل رغبة أمريكية واضحة في تثبيت التهدئة ومنع أي تصعيد قد يهدد أمن الطاقة العالمي.

ورغم تأكيد مسؤولين أمريكيين مشاركة الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس ومسؤولين إيرانيين بارزين في عملية التوقيع، فإن روايات متضاربة ظهرت بشأن المراحل الزمنية الدقيقة لإنجاز الاتفاق، ما أضفى مزيداً من الغموض على الكيفية التي تم بها إقرار المذكرة.

إسرائيل تستقبل الاتفاق بصدمة سياسية

بعيداً عن الجانب الإجرائي، فإن جوهر الأزمة بالنسبة لإسرائيل يكمن في مضمون الاتفاق نفسه. فالتوقيع لم يُقابل في تل أبيب بالترحيب، بل أثار موجة واسعة من الغضب والاستياء داخل الأوساط السياسية والأمنية، خصوصاً مع استمرار صمت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إزاء وثيقة تصفها مصادر إسرائيلية بأنها “اتفاق سيئ” يفتقد إلى الضمانات المطلوبة لكبح النفوذ الإيراني.

وتضاعفت حالة الانزعاج مع التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب، التي بدت من وجهة النظر الإسرائيلية أقرب إلى تقديم تطمينات لطهران منها إلى ممارسة الضغوط عليها. فقد اعتبر ترامب أن امتلاك إيران لصواريخ باليستية ليس أمراً استثنائياً مقارنة بدول أخرى، كما وجّه انتقادات ضمنية لسياسة إسرائيل العسكرية في لبنان، داعياً إلى قدر أكبر من ضبط النفس.

وتقرأ دوائر إسرائيلية هذه التصريحات باعتبارها مؤشراً على تحول تدريجي في أولويات الإدارة الأمريكية، من سياسة الاحتواء والضغط القصوى إلى مقاربة أكثر براغماتية قائمة على التفاهمات المرحلية.

العقوبات النفطية.. المكسب الأكبر لطهران

ويبدو أن أكثر البنود إثارة للقلق في إسرائيل هو ذلك المتعلق بمنح استثناءات تسمح باستئناف تصدير النفط الإيراني وتقديم التسهيلات المصرفية والتأمينية واللوجستية المرتبطة به.

فمن منظور تل أبيب، لا يمثل هذا الإجراء مجرد تخفيف للعقوبات، بل يشكل شريان إنقاذ لاقتصاد إيراني كان يواجه ضغوطاً خانقة، بما يتيح لطهران استعادة مليارات الدولارات من العائدات النفطية والأصول المجمدة.

وترى أوساط إسرائيلية أن هذه الموارد المالية قد تعزز قدرة إيران على تطوير مشاريعها الاستراتيجية وتوسيع نفوذها الإقليمي، في وقت لم تحصل فيه الولايات المتحدة ـ بحسب المنتقدين للاتفاق ـ على تنازلات جوهرية ومقابلة من الجانب الإيراني.

الملف النووي.. من التفكيك إلى الإدارة

غير أن جوهر المخاوف الإسرائيلية يتركز في الشق النووي من المذكرة، حيث لا يتحدث الاتفاق عن تفكيك البنية التحتية للتخصيب أو إخراج مخزون اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية، بل يركز على إدارة هذا المخزون وآليات تخفيفه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره تغييراً جوهرياً في المقاربة الأمريكية للبرنامج النووي الإيراني؛ فبدلاً من السعي إلى إنهاء قدرات التخصيب، باتت المفاوضات تتجه نحو تنظيمها وضبطها ضمن إطار تفاوضي أوسع.

وتخشى إسرائيل أن يؤدي هذا النهج إلى تكريس حق إيران في التخصيب منخفض المستوى، وهو ما كانت تعتبره طوال السنوات الماضية خطاً أحمر لا ينبغي تجاوزه.

لبنان.. ساحة جديدة للخلاف

ولم يقتصر الجدل على الملف النووي، بل امتد إلى البند المتعلق بوقف الأعمال العدائية في مختلف الجبهات، والذي تعتبره إسرائيل محاولة لربط الساحة اللبنانية بالمسار الإيراني.

وتخشى تل أبيب أن يتحول الاتفاق مستقبلاً إلى أداة ضغط أمريكية تدفعها نحو الانسحاب من مناطق جنوب لبنان أو الحد من عملياتها العسكرية هناك، في وقت ما تزال تعتبر فيه الوجود العسكري على الحدود جزءاً من عقيدتها الأمنية.

في المقابل، ترى إيران أن أي استمرار للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية يمكن أن يشكل خرقاً مباشراً لمذكرة التفاهم، وهو تفسير يعكس اتساع الفجوة بين القراءتين الإيرانية والإسرائيلية لبنود الاتفاق.

مرحلة جديدة أم هدنة مؤقتة؟

ورغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ، فإن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال مليئاً بالتعقيدات. فالمفاوضات المرتقبة في سويسرا لن تقتصر على الملف النووي، بل ستتناول شبكة واسعة من القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي والعقوبات والانتشار العسكري ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.

وفي هذا السياق، يبدو أن الاتفاق لا يمثل نهاية للصراع بقدر ما يشكل بداية لمرحلة تفاوضية جديدة تتداخل فيها المصالح الأمريكية مع الحسابات الإيرانية والهواجس الإسرائيلية. وبينما تحتفل طهران بما تعتبره انتصاراً سياسياً ودبلوماسياً، وتراهن واشنطن على نجاح خيار التهدئة، تظل إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً من نتائج قد تعيد تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button