
تعاني الساحة السياسية المغربية من غياب الزعامات السياسية المؤثرة، ذات الكاريزما والقدرة على التأطير والتوجيه وابتكار المفاهيم والأفكار السياسية الجديدة، ويعود ذلك لأسباب منها تراجع العمل الحزبي عامة بما فيه وظيفته التأطيرية للمجتمع، وضعف استقلالية الأحزاب، وغلبة السياسة التدبيرية للملفات القطاعية والجزئية على التفكير الاستراتيجي في المشاريع المجتمعية والنهضوية الكبرى، إضافة إلى تراجع ثقة المواطنين عامة في السياسة وتنظيماتها وفاعليها، وكذا بروز دور شبكات التواصل الاجتماعي التي تعتمد معيار الانتشار والإثارة على حساب مصداقية المضمون والخطاب، وهو بروز كان على حساب الصحافة الورقية المهنية التي كانت تستقطب النخب وتعمل على إدارة نقاش عمومي في مستوى أهمية القضايا المطروحة على الساحة.
وكان طبيعيا أن يظهر في ظل التردي العام “زعماء” من طينة مغايرة، يعبرون عن حالة التراجع القيمي في المجال السياسي، بل وأن يظهر كائن سياسي أقرب إلى العُصاب منه إلى الشخصية السوية، وهو ما يجسده عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ما يدفعنا إلى محاولة قراءة الخطاب السياسي لهذا “الزعيم” على ضوء علم النفس الإكلينيكي.
ويمكن الانطلاق في هذه القراءة من معطى أساسي يساعد على تفسير هذه الحالة النفسية البنكيرانية، وهذا المعطى هو “الإحباط بسبب فقدان المكانة”، حيث صارت كل جهود بنكيران متأثرة بوضعيته الشخصية بعد 2016، عندما فشل في تشكيل حكومة وتمت إحالته على تقاعد ريعي مع الاحتفاظ بزملائه الآخرين في مناصب وزارية، هذه الوضعية التي تلت مرحلة رئاسة الحكومة جعلت “الزعيم” يصل درجة عالية من الاحتقان النفسي أوقعه في كماشة “التواصل الانفعالي” الذي يعتمد لغة حادّة تجلد الجميع وتعمد إلى إثارة المشاعر عبر التشهير والتحريض عوض الإقناع العقلاني، والهدف الرئيسي لهذا الأسلوب هو الحفاظ على ولاء الأتباع داخل الجماعة، وردّ الاعتبار ضد ما اعتبره “إهانة” لشخصه.
ويعتمد بنكيران في حالته النفسية المتوترة هذه على “آليات دفاع” أولها أسلوب التهجم على رجال الدولة ما فوق الحكومة، مثل المستشارين الملكيين، ذاكرا إياهم بالإسم وبنعوت قدحية، والرسالة التي يريد تمريرها هنا ـ بهدف تخفيف العبء النفسي ـ هي أنه “لا يخاف” من “أرباب السلطة”، ولا من “مراكز النفوذ” في الدولة، لكن هذه الآلية التبريرية سرعان ما تنكشف أمام القرارات اللاشعبية التي وقع عليها بنكيران خلال فترة رئاسته للحكومة، والتي كانت من وحي مراكز النفوذ التي يهاجمها، وهي الحقيقة التي حاول دائما أن يغطي عليها بالقول في هتاف بطولي:” أنا من حرّر أسعار المحروقات، وأصلحت صندوق المقاصة، ورفعت الأسعار من أجل إنقاذ المغرب”.
وفي دوامة الاضطراب النفسي يلجأ “الزعيم” ـ في ظل تراجع نفوذه وتراجع حزبه انتخابيا ـ إلى نوع من الاستقطاب السيكولوجي عبر تقسيم العالم إلى “معسكر الخير”، الذي يمثله هو وحزبه والجمعيات التابعة له، وباقي مكونات الحياة السياسية التي تمثل “معسكر الضلال والشر”، وهكذا تتحول كل التدابير التي اتخذها سابقا وهو رئيس حكومة إلى “جرائم في حق المغاربة” في ظل الحكومة الحالية. هذا التبسيط للواقع وتحويله إلى ثنائيات حادة ومتوترة هو من آليات الدفاع النفسي المعروفة عند الأشخاص لتبرير فشلهم أو تراجع مكانتهم بسبب الأخطاء التي ارتكبوها، وهو ما يعني عدم الاعتراف بالأخطاء والسعي إلى تكرارها، مما يفسر اعتماد بنكيران على نفس أسلوب التعبئة الذي انتهجه سنة 2011 و 2016، متجاهلا كليا مروره بتجربة حكومية وفقدانه للعذرية السياسية.
ويمكن الحديث في حالة بنكيران عن “وهم القيادة ودور المنقذ” أيضا، قيادة البلد وليس الحزب فقط، ولعب دور المنقذ عند اشتداد الأحوال وتفاقم الأزمات، ونجد هذا الوهم سنة 2011 مجسدا في حواراته الإعلامية التي قدم فيها نفسه بأنه من أنقذ النظام الملكي من حراك الشارع، بتهجمه على المتظاهرين وتمسكه بدور الملك “الذي هو كل شيء”، وهو بذلك ينسى بأن العامل الأهم الذي خفض التوتر آنذاك وبذكاء كبير من النظام هو خطاب 9 مارس 2011 الذي كان استباقيا وحول اهتمام النخب نحو مراجعة الوثيقة الدستورية، في الوقت الذي كان هناك من يسعى إلى التركيز على طبيعة النظام.
ليست لي أية وصفة فعالة لعلاج هذه الحالة الإكلينيكية البنكيرانية، لكنني يمكن أن أساعد قيادة الحزب على التفكير انطلاقا من القاعدة الفقهية “أخف الضررين”، فأن يكون للحزب قيادة جماعية عقلانية ومتبصرة وغير متورطة في زوابع إعلامية لا تصنع سوى الغبار والفشل، أفضل بكثير من زعيم متهور يتصرف كما لو أن الحزب ملكية خاصة، وأعضاءه قطيع منقاد بلا ذاكرة.





