
كش بريسمالتحرير ـ
أقدم الشاعر الكردي هيمن لطيف على إنهاء حياته داخل منزله بمدينة حلبجة في إقليم كردستان العراق، في واقعة أعادت إلى الواجهة الأسئلة المؤلمة حول الضغوط المعيشية التي قد تدفع الإنسان، حتى وهو منخرط في الكتابة والشعر، إلى أقصى درجات اليأس.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الشاعر كان يعاني من ضائقة مالية مرتبطة بأعباء الإيجار وفواتير الكهرباء وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي الضغوط التي انعكست بوضوح في كلمات نشرها قبيل وفاته، حملت نبرة وداع قاسية ومؤلمة.
وكتب هيمن لطيف في رسالته: «سأعيد مفتاحك، وسأبتعد عن منزلك إلى الأبد، لن أعود أسمع صراخك وشكواك. لا كهرباء الوطنية ولا كهرباء جناب الرئيس روناكي (مسرور بارزاني)، ولن أدفع حق نفسي البارد. سأذهب إلى بيتي الخاص إلى الأبد».
وتكشف هذه الكلمات، بعيداً عن بعدها الشخصي، عن حجم ما يمكن أن تتركه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية من أثر على الإنسان، خصوصاً حين تتحول أبسط شروط الحياة، من السكن والكهرباء إلى القدرة على تأمين الاحتياجات اليومية، إلى مصدر دائم للقلق والإحساس بالعجز.
وتطرح وفاة الشاعر سؤالاً أكثر قسوة: ما الذي يمكن أن يدفع شاعراً، يفترض أن تكون قصيدته احتفاءً بالحياة، ورسالة للمحبة والسلام الروحي، إلى أن يرى في الرحيل مخرجاً من ثقل الواقع؟
فالشاعر الذي يكتب عن الإنسان والحب والأمل قد يجد نفسه أحياناً في مواجهة واقع يناقض كل ما تصنعه اللغة من عزاء. وحين تضيق الحياة إلى حدود فاتورة وإيجار وقلق يومي، قد يصبح الشعر، رغم قدرته على منح المعنى، عاجزاً عن توفير أبسط شروط الاستمرار.
وتعيد هذه الحادثة كذلك طرح مسألة الهشاشة الاجتماعية التي يعيشها المثقفون والفنانون، خصوصاً في البيئات التي لا توفر لهم حماية اجتماعية واقتصادية تتناسب مع أدوارهم الثقافية. فالشعر لا يعفي صاحبه من الحاجة، والموهبة لا تحمي بالضرورة من الفقر، فيما يمكن للضائقة المعيشية أن تتحول، عندما تتراكم، إلى مأزق نفسي ووجودي عميق.
ويبقى رحيل هيمن لطيف، بهذه الطريقة المأساوية، أكثر من خبر عن وفاة شاعر؛ إنه مرآة لعلاقة الإنسان الهشة بواقع يطالبه بأن يحلم، بينما يعجز أحياناً عن منحه شروط الحياة التي تجعل الحلم ممكناً.





