‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

الجنسية الإسبانية للصحراويين.. هل تعيد مدريد فتح جرح الصحراء في وجه الرباط؟ (تحليل)

كش بريس/خاص ـ

لم يعد الخلاف المغربي الإسباني حول الصحراء الغربية مجرد تباين في قراءة ملف إقليمي مزمن، بعدما دخلت مدريد، عبر بوابة الجنسية، منطقة سياسية شديدة الحساسية يمكن أن تعيد ترتيب العلاقة بين البلدين على قاعدة مختلفة. فقد صادق مجلس النواب الإسباني، أمس الخميس، على مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين وُلدوا في الصحراء المغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، مع إتاحة الحق نفسه لفئات من ذريتهم، في خطوة تبدو في ظاهرها ذات طبيعة حقوقية وتاريخية، لكنها تحمل في توقيتها وسياقها أبعاداً تتجاوز بكثير مسألة الجنسية الفردية.

وجاء التصويت بـ168 صوتاً مؤيداً مقابل 31 رافضاً و145 ممتنعاً، إذ حظي المشروع بدعم الحزب الاشتراكي الحاكم وشريكه في الائتلاف «سومار» وعدد من القوى السياسية، فيما اختار الحزب الشعبي المعارض الامتناع، بينما صوّت حزب «فوكس» اليميني المتطرف ضده. وينتقل النص بعد ذلك إلى مجلس الشيوخ، حيث يظل احتمال إدخال تعديلات قائماً، وإن كان المسار السياسي للمشروع قد قطع مرحلة أساسية داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية.

وتكمن أهمية التشريع في كونه لا يتعامل مع الصحراويين باعتبارهم مجموعة مهاجرة تبحث عن مسار استثنائي للحصول على الجنسية، وإنما يستند إلى رابطة تاريخية نشأت في ظل الإدارة الإسبانية للصحراء المغربية. فالنص البرلماني يعتبر أن من وُلدوا في الإقليم قبل 29 شتنبر 1977 تنطبق عليهم ظروف استثنائية تبرر الاستفادة من مسار الجنسية، كما يوسع دائرة الاستفادة إلى أحفادهم وفق الشروط التي حددها القانون.

وهنا تبدأ المسألة السياسية الحقيقية. فإسبانيا، التي غادرت الصحراء في منتصف سبعينيات القرن الماضي، تعود اليوم إلى تاريخها الاستعماري من بوابة المواطنة والذاكرة والحقوق الفردية. وبقدر ما يبدو التشريع محاولة لمعالجة وضع قانوني ظل معلقاً لعقود، فإنه يعيد، في الوقت نفسه، إدخال الدولة الإسبانية بوصفها صاحبة مسؤولية تاريخية في ملف ظل منذ انسحابها أحد أكثر الملفات تعقيداً في شمال إفريقيا.

ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل تمنح إسبانيا الجنسية للصحراويين؟ وإنما: ماذا يعني أن تعيد مدريد تعريف علاقتها بالصحراويين بعد نصف قرن من مغادرتها الإقليم؟

فالجنـسية، في القانون والسياسة معاً، ليست مجرد وثيقة سفر. إنها رابطة قانونية بين الفرد والدولة، وما إن تتحول إلى حق جماعي محتمل لمئات الآلاف من الأشخاص وذريتهم، حتى يصبح لها أثر يتجاوز الحالة الفردية إلى إنتاج جماعة بشرية جديدة ذات صلة قانونية مباشرة بالدولة الإسبانية.

وتشير تقديرات متباينة إلى أن عدد المستفيدين المحتملين قد يصل إلى عشرات الآلاف، فيما تذهب بعض التقديرات الصحراوية إلى أرقام أكبر بكثير، تشمل المولودين تحت الإدارة الإسبانية وذريتهم. وتكمن المفارقة الأكثر حساسية في أن هؤلاء لا يوجدون في فضاء جغرافي واحد؛ فجزء منهم يوجد في الصحراء المغربية، وجزء آخر في مخيمات تندوف، بينما يعيش آخرون في إسبانيا ودول أوروبية مختلفة.

وهذا يعني أن مدريد قد تكون بصدد إنشاء فضاء قانوني إسباني عابر للحدود داخل قضية الصحراء، من دون أن تعلن، رسمياً، أي تغيير في موقفها السياسي من السيادة أو من مسار التسوية الأممي.

وهنا تكمن دقة الخطوة وخطورتها في آن واحد. فالحكومة الإسبانية تستطيع القول إن القانون لا يمنح الجنسية لكيان سياسي أو لدولة صحراوية، وإنما لأفراد يستندون إلى رابطة تاريخية وقانونية مع إسبانيا. وهذا هو المنطق الذي تتبناه القوى الداعمة للمشروع، والتي تقدمه باعتباره «تصحيحاً تاريخياً» واعترافاً بحقوق ظلت معلقة منذ نهاية الإدارة الإسبانية.

لكن الرباط قد تقرأ الأمر من زاوية مختلفة تماماً: إذا كان المغرب يعتبر الصحراء جزءاً من سيادته، فإن إنشاء رابطة قانونية إسبانية واسعة مع سكان الإقليم وذريتهم يمكن أن يُفهم باعتباره إعادة إدخال لعنصر أجنبي في مسألة السيادة والمواطنة داخل الإقليم. وهذا هو مكمن الأزمة المحتملة.

من أزمة سبتة إلى أزمة الصحراء

يزداد توقيت القرار حساسية لأنه يأتي في أعقاب أزمة سبتة التي دخلت فيها أعداد ضخمة من المهاجرين إلى المدينة خلال يوليوز، في واقعة ما زالت تلقي بثقلها على العلاقات بين مدريد والرباط وعلى السياسة الداخلية الإسبانية. وتحدثت السلطات الإسبانية عن أكثر من 70 ألف شخص عبروا إلى سبتة، فيما ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بالأحداث إلى 141 وفق المعطيات التي عرضها رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان الإسباني.

وتقول الرباط إنها ترفض تحميلها مسؤولية ما حدث، فيما تواجه الحكومة الإسبانية ضغوطاً سياسية متصاعدة بشأن طريقة إدارتها للأزمة. كما ظل ملف إعادة القاصرين والمهاجرين حاضراً بقوة في النقاش الإسباني، في وقت ما تزال فيه أعداد كبيرة من الوافدين في سبتة. وهنا يصبح الربط بين سبتة والصحراء سياسياً أكثر من كونه سببية مباشرة.

ليس ثمة، في المعطيات المتاحة، ما يثبت أن قرار الجنسية جاء رداً مباشراً على أزمة سبتة. لكن تزامنهما يخلق مناخاً جديداً داخل مدريد: المغرب لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره شريكاً في مكافحة الهجرة والإرهاب والتعاون الاقتصادي، وإنما أصبح حاضراً أيضاً في قلب سجال إسباني داخلي حول الحدود والسيادة والهجرة ومسؤولية الحكومة. وبالتالي، فإن هامش المناورة الذي كان يسمح لسانشيز بإدارة العلاقة مع الرباط من خلال منطق المصالح الاستراتيجية المتبادلة بات أكثر تعرضاً لضغط السياسة الداخلية.

هل يتراجع سانشيز عن موقف 2022؟

هنا ينبغي الحذر من قراءة التصويت باعتباره انقلاباً إسبانياً على موقف سانشيز من الصحراء. ففي سنة 2022 اتخذ رئيس الحكومة الإسبانية قراراً بالغ الأهمية عندما أعلن دعمه لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب باعتباره أساساً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع، وهو القرار الذي ساهم في إنهاء مرحلة من التوتر الحاد بين مدريد والرباط. لكن التطور الحالي لا يعني، بالضرورة، أن سانشيز تراجع عن ذلك الموقف. بل إن المفارقة تكمن في أن إسبانيا تستطيع، نظرياً، الجمع بين دعم الحكم الذاتي في إطار التسوية السياسية وبين منح الجنسية لأفراد من أصل صحراوي بناءً على رابطة تاريخية مع إسبانيا.

غير أن السياسة لا تُدار بالمنطق القانوني وحده. فالمشكلة تبدأ عندما تنتقل الجنسية من كونها حقاً فردياً إلى كونها، بفعل اتساع نطاق المستفيدين، أداة لإعادة تشكيل العلاقة السياسية بين السكان والإقليم والقوة الاستعمارية السابقة. ومن هنا يمكن أن تتحول الخطوة، حتى من دون نية إسبانية معلنة، إلى عنصر ضغط جديد على الموقف المغربي.

«سومار» يضغط.. والاشتراكيون يعيدون التموضع

الأكثر دلالة أن المبادرة جاءت أصلاً من حزب «سومار» سنة 2024، بينما كان الحزب الاشتراكي متحفظاً عليها في البداية، قبل أن يعلن أخيراً دعمه لها. وهذا التحول لا يمكن فصله تماماً عن الدينامية السياسية داخل الائتلاف الحكومي الإسباني، حيث يجد سانشيز نفسه مضطراً إلى إدارة توازنات دقيقة بين الاشتراكيين وشركائهم اليساريين والقوى القومية الإقليمية. وقد بدا واضحاً من نتيجة التصويت أن المشروع استطاع بناء أغلبية سياسية عابرة لبعض الانقسامات التقليدية، بينما اختار الحزب الشعبي الامتناع، في حين وقف «فوكس» ضده. وهذا يعني أن قضية الصحراء بدأت تنتقل داخل إسبانيا من ملف في السياسة الخارجية إلى ورقة في السياسة الداخلية.

وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية في الأزمة الجديدة. فكلما دخلت الصحراء الغربية في التنافس الحزبي الإسباني، أصبح من الصعب على الحكومة أن تديرها حصراً بمنطق الدبلوماسية والعلاقات الثنائية مع الرباط. وستجد مدريد نفسها أمام برلمان، وأحزاب، وحركات يسارية، وقوميات إقليمية، ومنظمات صحراوية، وجمهور انتخابي، لكل طرف منها تصور مختلف للمسألة.

المغرب أمام معادلة أكثر تعقيداً

بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر فقط بجوازات سفر إسبانية جديدة، وإنما باحتمال نشوء وضع قانوني شديد التعقيد بالنسبة إلى الصحراويين الذين قد يحملون مستقبلاً جنسيتين: المغربية والإسبانية.

وهذا يفتح أسئلة حول الحماية القنصلية، والحقوق المدنية، وحرية التنقل، ووضع الأشخاص الذين قد يواجهون نزاعات سياسية أو قضائية داخل الإقليم، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بكيفية تعامل السلطات المغربية مع شخص يحمل الجنسية الإسبانية إلى جانب الجنسية المغربية.

وقد أشارت تقارير إسبانية إلى أن هذا الجانب يمكن أن يصبح أكثر حساسية إذا حصلت توقيفات ذات طابع سياسي أو حقوقي، إذ قد يطالب الأشخاص المعنيون بالحماية والحقوق المرتبطة بجنسيتهم الإسبانية.

وهنا تتحول الجنسية إلى مشكلة سيادة محتملة، لا لأن القانون الإسباني يعلن ذلك، وإنما لأن ممارسة الجنسية في الواقع السياسي قد تنتج آثاراً لم تكن حاضرة في لحظة التشريع.

هل نحن أمام قطيعة أم إعادة تفاوض؟

من الخطأ، في تقديري، وصف التطور بأنه قطيعة إسبانية مع المغرب. فالعلاقة بين البلدين أعمق من أن تختزل في ملف واحد؛ هناك الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والطاقة ومكافحة الإرهاب والتعاون القضائي، فضلاً عن المصالح الأوروبية المرتبطة باستقرار الضفة الجنوبية للمتوسط. لكن من الخطأ أيضاً التعامل مع القانون باعتباره حادثاً تشريعياً عابراً.

الأرجح أننا أمام إعادة تفاوض صامتة على حدود العلاقة المغربية الإسبانية. فمدريد تحتاج إلى الرباط في ملفات استراتيجية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى احتواء الضغوط الداخلية المرتبطة بسبتة والهجرة. والمغرب يريد الحفاظ على التحول النوعي الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء منذ 2022، لكنه لا يريد أن يتحول هذا الموقف إلى علاقة مشروطة أو قابلة للمراجعة تحت ضغط السياسة الداخلية الإسبانية.

لذلك، فإن الأزمة الجديدة قد لا تنفجر في صورة مواجهة دبلوماسية مباشرة، وإنما قد تظهر في شكل تباطؤ في الاتصالات، أو تشدد في بعض الملفات، أو إعادة تقييم للتعاون، أو استخدام متبادل لأوراق الضغط.

والأخطر أن سبتة والصحراء يمكن أن تتحولا إلى ملفين متداخلين في المخيال السياسي الإسباني: الأولى بوصفها قضية حدود وأمن وهجرة، والثانية بوصفها قضية تاريخ استعماري وحقوق وجنسية. وعندما تلتقي القضيتان داخل البرلمان والإعلام والرأي العام، يصبح هامش المناورة الدبلوماسية أضيق.

الاختبار الحقيقي لسانشيز

يبقى السؤال المركزي: هل يستطيع بيدرو سانشيز أن يحافظ على المعادلة التي بناها مع الرباط منذ 2022؟ حتى الآن، لا توجد في التصويت البرلماني وحده قرينة كافية على تراجع رسمي عن دعم الحكم الذاتي المغربي. لكن ما تغير هو البيئة السياسية التي يتحرك فيها هذا الموقف.

فإذا نجح سانشيز في الفصل بين قانون الجنسية بوصفه معالجة لحقوق فردية وتاريخية، وبين الموقف الإسباني الرسمي من التسوية السياسية للصحراء، فقد تتمكن مدريد من احتواء التداعيات.

أما إذا تحول قانون الجنسية إلى مدخل لمطالب سياسية أوسع، أو إلى قاعدة لبناء تمثيل سياسي إسباني للصحراويين، أو إلى أداة للتشكيك في التوجه الذي اعتمدته حكومة سانشيز منذ 2022، فإن المغرب سيجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً.

وعندها لن تكون القضية مجرد جنسية إسبانية للصحراويين، وإنما سؤالاً أكثر عمقاً: هل بدأت إسبانيا، بعد نصف قرن من مغادرتها الصحراء، تستعيد دوراً سياسياً فيها من نافذة الحقوق الفردية؟

ذلك هو السؤال الذي يجعل التصويت الأخير في مدريد أكثر أهمية من مجرد رقمه البرلماني. فالقانون، في صورته الحالية، يتحدث عن الجنسية؛ لكن السياسة قد تمنحه معنى آخر. وبين الجنسية بوصفها حقاً فردياً، والصحراء بوصفها نزاعاً على السيادة، والعلاقة المغربية الإسبانية بوصفها شبكة مصالح استراتيجية، تتشكل ملامح أزمة جديدة لا يبدو أنها ستُحسم بمجرد المصادقة النهائية على القانون.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button