
كش بريس/التحرير ـ
كشفت دراسة أكاديمية حديثة عن تحول ديموغرافي وعمراني عميق تشهده مراكش، تتصدره مفارقة لافتة: تراجع متواصل للسكان داخل المدينة العتيقة مقابل نمو سكاني وعمراني سريع خارج أسوارها، بالتوازي مع تصاعد الاستثمار السياحي والعقاري واتساع رقعة المجال الحضري نحو أحياء ومناطق جديدة.
الدراسة، التي نشرتها مجلة Cities خلال غشت 2026، اعتمدت مقاربة تاريخية ومورفولوجية جمعت بين تحليل الخرائط العمرانية، والمعطيات الديموغرافية، ووثائق التعمير، وبيانات رخص البناء، بهدف تتبع التحولات التي أعادت تشكيل البنية المكانية والاجتماعية للمدينة.
وتكشف الأرقام الواردة في البحث عن حجم التحول داخل النواة التاريخية؛ فقد انخفض عدد سكان المدينة العتيقة من 192 ألفاً و323 نسمة سنة 1994 إلى 166 ألفاً و711 نسمة سنة 2004، ثم إلى 120 ألفاً و222 نسمة سنة 2014، ليستقر عند 81 ألفاً و103 نسمة سنة 2024. وبذلك فقدت المدينة العتيقة خلال ثلاثة عقود نحو 111 ألفاً و220 نسمة، أي ما يقارب 58 في المائة من سكانها.
في المقابل، ارتفع عدد سكان مراكش ككل من 861 ألفاً و205 نسمة سنة 1994 إلى مليون و560 ألفاً و103 نسمة سنة 2024، بينما سجلت مقاطعة المنارة وحدها قفزة كبيرة، إذ انتقل عدد سكانها من 148 ألفاً و403 نسمات إلى أكثر من 519 ألف نسمة خلال الفترة نفسها.
وتقرأ الدراسة هذه الأرقام باعتبارها مؤشراً على إعادة توزيع النمو الديموغرافي داخل المدينة، حيث يتراجع الوزن السكاني للمركز التاريخي، بينما تستقطب المجالات العمرانية الجديدة القسم الأكبر من الزيادة السكانية.
من مدينة للسكن إلى فضاء سياحي وعقاري
ولا تعزو الدراسة هذا التحول إلى عامل منفرد، وإنما تربطه بتداخل مجموعة من الديناميات، من بينها تغير أنماط الأسرة والسكن، وتفضيل مساكن حديثة تتوفر على مساحات وخدمات أوسع، وتدهور جزء من المباني التقليدية، فضلاً عن الارتفاع المتواصل للقيمة العقارية داخل النسيج التاريخي.
وفي المقابل، أدى تنامي الطلب السياحي إلى إعادة توظيف عدد متزايد من المباني التقليدية وتحويلها إلى رياضات ودور ضيافة ومؤسسات موجهة للزوار، وهو ما أعاد تشكيل الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية لعدد من الأحياء داخل المدينة العتيقة.
وتورد الدراسة معطيات لافتة بشأن الملكية الأجنبية، إذ ارتفع عدد العقارات الموجودة في حوزة أجانب، وفق البيانات التي اعتمدها البحث، من نحو 150 عقاراً سنة 1999 إلى أكثر من 900 سنة 2003، مع تركز واضح في الأجزاء الأكثر استقطاباً للسياحة والاستثمار.
كما بلغ عدد دور الضيافة المسجلة، وفق المعطيات التي أوردتها الدراسة، 1424 وحدة سنة 2024، بما يعكس اتساع النشاط السياحي داخل النسيج التاريخي وتحول جزء من الرصيد السكني إلى مورد اقتصادي مرتبط بالزوار.
الأسوار تفقد السكان.. والأطراف تستقبل النمو
وتظهر الخرائط التي اعتمدها البحث أن تراجع سكان المدينة العتيقة تزامن مع توسع عمراني وديموغرافي في عدد من المجالات، من بينها المحاميد والمسيرة وسيدي يوسف بن علي، التي تحولت تدريجياً إلى مراكز لاستيعاب الزيادة السكانية والتوسع العمراني.
وبذلك ترسم الدراسة صورة لمدينة تتغير بنيتها من الداخل: مركز تاريخي تتزايد قيمته السياحية والعقارية بينما يتراجع عدد المقيمين فيه، وأطراف حضرية تتسع لاستقبال السكان والمساكن والتجهيزات الجديدة.
ولا تختزل الدراسة هذه الحركة في «هجرة» مباشرة من المدينة العتيقة إلى الأطراف، إذ تشير إلى أن التحول نتاج تفاعل معقد بين تغير أنماط السكن، وأسعار العقار، والاستثمار السياحي، وشبكات الطرق، وبرامج الإسكان، وتوسع المجال المبني.
حين يسبق العمران وثيقة التعمير
وتلفت الدراسة الانتباه كذلك إلى وجود فجوة زمنية بين سرعة التحول العمراني وتواريخ تحيين وثائق التخطيط الحضري، بالاستناد إلى معطيات الوكالة الحضرية لمراكش وخرائط رسمية وبيانات رخص البناء.
وبحسب البحث، تعود آخر وثيقة شاملة للتخطيط الحضري للمدينة، قبل موجة التحيين اللاحقة، إلى سنة 1996، فيما جرى تحيين وثائق التعمير تدريجياً بحسب المناطق: المحاميد سنة 2014، وسيدي يوسف بن علي سنة 2021، والمدينة العتيقة والمشور القصبة سنة 2023، وكليز الشرقي سنة 2024، ثم مراكش الغربية سنة 2026، بينما تعود وثيقة منطقة النخيل إلى سنة 2000.
وتكشف بيانات رخص البناء بدورها عن تفاوت واضح في وتيرة البناء خلال الفترة الممتدة بين 2003 و2020؛ فقد بلغ عدد الرخص 1530 رخصة سنة 2003، وارتفع إلى 2319 سنة 2004، ثم سجل 2233 سنة 2007، قبل أن يتراجع إلى 606 رخص سنة 2016، ويرتفع مجدداً إلى 1461 سنة 2019، لينخفض إلى 397 رخصة سنة 2020.
وتستثمر الدراسة هذه المعطيات لإبراز أن مراكش لم تتشكل عمرانياً وفق إيقاع موحد، وأن أجزاء من مجالها الحضري الحالي نمت خلال مراحل لم تكن فيها وثائق التخطيط محدثة بالوتيرة نفسها التي كان يتوسع بها المجال المبني.
معادلة صعبة بين التراث والسكن والسياحة
وتضع الدراسة المدينة العتيقة أمام معادلة مركبة تتقاطع فيها حماية التراث مع الحق في السكن والمصالح الاقتصادية للسياحة والاستثمار العقاري.
فكلما ارتفعت القيمة السياحية للمباني التاريخية، ارتفعت قيمتها التجارية، الأمر الذي قد يشجع على إعادة توظيفها في أنشطة سياحية على حساب وظائفها السكنية الأصلية. ومع تحول البيوت إلى رياضات ودور ضيافة، تتغير كذلك طبيعة الأنشطة المحيطة بها، فتتجه الأسواق والخدمات والحرف تدريجياً إلى تلبية الطلب السياحي.
وترى الدراسة أن حماية المدينة التاريخية لا يمكن أن تختزل في صيانة واجهاتها ومبانيها، وإنما تقتضي أيضاً الحفاظ على السكان ووظيفة السكن واستمرارية الحياة اليومية داخل النسيج التاريخي، وإدماج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في سياسات تدبير المجال التراثي.
وتخلص المعطيات إلى أن مراكش تعيش تحولاً حضرياً مزدوجاً: مدينة تاريخية تنكمش ديموغرافياً كلما ازدادت جاذبيتها السياحية والعقارية، ومدينة ممتدة تتضخم سكانياً وعمرانياً كلما ابتعدت عن مركزها التاريخي. وهي مفارقة تضع مستقبل المدينة العتيقة أمام سؤال يتجاوز حماية الحجر إلى حماية الإنسان الذي يمنح المكان معناه واستمراريته.




