‏آخر المستجداتالمجتمع

تحالف اليسار يهاجم البرنامج الحكومي: وعود مؤجلة وإصلاح دستوري مؤجل ومطلب بالعفو العام عن المعتقلين

كش بريس/التحرير ـ

صعّد تحالف اليسار انتقاداته للبرنامج الحكومي، معتبرا أنه يفتقر إلى ضمانات تنفيذ الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية، ويؤجل الاستجابة للاستحقاقات التنموية خلف مبررات «الواقعية التنفيذية» واستدامة المالية العمومية. وشددت المجموعة النيابية للتحالف، خلال مناقشة البرنامج الحكومي اليوم الخميس، على أن تجاوز الاختلالات البنيوية التي تعيق التنمية يقتضي إصلاحا دستوريا شاملا يؤسس لملكية برلمانية، ويضمن الفصل الفعلي بين السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، معلنة عزمها تقديم مقترح جديد للعفو العام عن المعتقلين السياسيين والصحفيين والمدونين والنقابيين والحقوقيين.

وفي مداخلتها التي ألقتها المنسقة نبيلة جلال، استحضر التحالف مسؤولية رئيسة الحكومة عن المرحلة السابقة، معتبرا أنها كانت شريكة في تدبير حكومي اتسم، بحسب تقييمه، بتداخل المال والسلطة وتضارب المصالح، وتفاقم الضغوط المعيشية على الفئات الشعبية بفعل الغلاء. كما أثار إعفاء وزيرة في بداية الولاية الجديدة، معتبرا أن الواقعة تطرح أسئلة بشأن معايير الاختيار والتدقيق في تحمل المسؤوليات الحكومية.

الإصلاح الدستوري في مواجهة أزمة الثقة السياسية

وتساءلت المجموعة النيابية عن جدوى الحديث عن «دورة جديدة للمسار التنموي» في غياب معالجة جوهرية للاختلالات السياسية والمؤسساتية، مستحضرة ما وصفته بإقرار وزير المالية بتبديد وتبذير 280 مليار درهم دون نتائج ملموسة أو محاسبة واضحة.

واعتبر التحالف أن التنمية لا يمكن اختزالها في المؤشرات الاقتصادية والوعود القطاعية، ما دامت شروط الرقابة الديمقراطية والمساءلة الفعلية غير مكتملة. ودعا، في هذا السياق، إلى إقرار ملكية برلمانية تفرز فيها صناديق الاقتراع حكومة كاملة الصلاحيات، تخضع لرقابة برلمانية حقيقية، ضمن منظومة تضمن استقلال القضاء وحرية الانتخابات ونزاهتها.

وانتقدت المجموعة استمرار الجمع بين رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب من طرف الحزب نفسه، معتبرة أن هذا الوضع يثير إشكالا مؤسساتيا يتعلق باستقلالية المؤسسة التشريعية وقدرتها على مراقبة الجهاز التنفيذي ومساءلته.

العفو العام وحقوق الإنسان: غياب المعتقلين عن البرنامج الحكومي

وسجل التحالف مفارقة بين تأكيد البرنامج الحكومي أن حقوق الإنسان خيار وطني ثابت، وغياب أي إشارة صريحة إلى المعتقلين وقضايا الاعتقال السياسي. وأعلنت نبيلة جلال عزم المجموعة تقديم مقترح، للمرة الثالثة، لإقرار عفو عام شامل عن معتقلي حراك الريف وشباب «جيل Z»، وسائر المعتقلين السياسيين والصحفيين والمدونين والنقابيين والحقوقيين، إلى جانب وقف المتابعات التي تصفها المجموعة بالكيدية وجبر الضرر.

كما دعت إلى إنصاف الأمازيغية وضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وإقرار المناصفة، وإصلاح منظومة التقاعد على أسس عادلة، وتعديل قانون المحاماة بما يعزز استقلال المهنة وضمانات المحاكمة العادلة.

خمسة اختبارات تكشف محدودية الالتزامات الحكومية

ووضع التحالف البرنامج الحكومي أمام خمسة اختبارات أساسية، تشمل التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة الجبائية والمحاسبة، معتبرا أن مضامين التصريح لم تقدم ضمانات كافية للاستجابة لهذه الاستحقاقات.

وفي ملف التشغيل، انتقدت المجموعة تراجع البرنامج عن وعود سابقة، من بينها إحداث مليون منصب شغل وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031. كما سجلت تحولا في صياغة الالتزامات الاجتماعية، من وعد بتعميم الاستفادة التلقائية من مجانية أو دعم فواتير الكهرباء دون شروط، إلى تقديم الدعم للأسر المستحقة، بما يفتح، بحسب التحالف، الباب أمام تقليص نطاق المستفيدين.

وتوقفت المداخلة عند وعد معاش شهري بقيمة 3000 درهم، معتبرة أن ربطه بالتدرج وإمكانات الدولة يفرغه من ضمانات التنفيذ الفعلي. كما انتقدت غياب أي التزام واضح بشأن تسقيف أسعار المحروقات وإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، رغم حضورهما في وعود بعض مكونات الأغلبية.

وفي قطاعي الصحة والتعليم، نبه التحالف إلى غياب ضمانات صريحة بشأن مجانية العلاج والتعليم الجامعي، والرفع من منح الطلبة، وتعزيز تمويل البحث العلمي. كما سجل غياب التزامات واضحة بشأن فرض ضرائب على الريع والثروات الكبرى وأرباح الاحتكار، وهي إجراءات سبق أن دعت إليها مكونات من الأغلبية نفسها.

واعتبرت المجموعة أن الصياغات العامة، حين لا تقترن بآجال زمنية ومؤشرات قابلة للقياس، تجعل محاسبة الحكومة على حصيلة عملها أمرا بالغ الصعوبة. وفي هذا الإطار، تساءلت عن مدى جدية التعهد بمحاربة الفساد في ظل ما اعتبرته تعطيل وزير العدل تجريم الإثراء غير المشروع.

الماء والأمن الغذائي والسيادة الطاقية

وحذرت المداخلة من استمرار التوسع في الزراعات التصديرية المدعومة، لما قد يترتب عنه من استنزاف للفرشة المائية على حساب الأمنين المائي والغذائي، داعية إلى مراجعة الاختيارات الزراعية بما يضمن التوازن بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الوطنية واستدامة الموارد الطبيعية.

وفي المجال الطاقي، ربط التحالف تحقيق السيادة الطاقية بإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، التي اعتبر استمرار تعطيلها عاملا يحد من إمكانات تعزيز التكرير المحلي. كما شدد على أن تقليص العجز التجاري يظل رهينا بتقوية الإنتاج الوطني، وتطوير القدرة الصناعية على تلبية حاجيات السوق الداخلية وتقليص التبعية للاستيراد.

الحدود والسياسة الخارجية: سبتة ومليلية والتطبيع

وجدد التحالف تمسكه باسترجاع سبتة ومليلية والجزر والثغور المحتلة، مطالبا بإطلاق برنامج استعجالي لتنمية المناطق الحدودية، وإشراك البرلمان والقوى السياسية في النقاش المتعلق بتنزيل الحكم الذاتي.

كما انتقد صمت البرنامج الحكومي عن ملف التطبيع مع إسرائيل، معتبرا أن الموقف الذي ينسجم مع وجدان شريحة واسعة من المغاربة، خصوصا في أعقاب حرب الإبادة في غزة، يقتضي تجريم التطبيع وإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل، والانتصار لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

وفي السياق ذاته، دعا التحالف إلى مراجعة النظرة إلى مغاربة العالم، مؤكدا أنهم لا يمثلون مجرد مصدر للتحويلات المالية، وإنما يشكلون جزءا من النسيج الوطني، بما يستدعي سياسات تضمن مشاركتهم وحقوقهم وإسهامهم في الحياة العامة.

«الواقعية التنفيذية» أم التنصل المسبق من المسؤولية؟

واعتبر تحالف اليسار أن أخطر ما يطبع البرنامج الحكومي هو ربط تنفيذ الالتزامات بمبدأ «التدرج وفق الواقعية التنفيذية واستدامة المالية العمومية»، محذرا من تحول هذه الصياغة إلى مبرر مفتوح لتأجيل الوعود أو التخلي عنها. وترى المجموعة أن الالتزام الحكومي يفقد مضمونه حين لا يقترن بجدول زمني واضح، وموارد محددة، وآليات للمراقبة والتقييم والمحاسبة.

وشددت على ضرورة تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وإرساء قواعد أكثر صرامة للنزاهة والشفافية، إلى جانب إصلاح المنظومة الانتخابية وضمان استقلال الهيئة المشرفة على الانتخابات، حتى لا تتكرر الاختلالات التي أثارتها وقائع انتخابية سابقة، من بينها ما يعرف إعلاميا بـ«فضيحة طنجة».

وخلصت المجموعة النيابية إلى أن أزمة البرنامج الحكومي، وفق قراءتها، تتجاوز نقص الوعود إلى غياب الضمانات السياسية والمؤسساتية التي تجعلها قابلة للتحول إلى حقوق فعلية. فالتشغيل والقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية ومحاربة الفساد، في تصور التحالف، تظل رهينة بإصلاح دستوري ومؤسساتي يضع السلطة تحت الرقابة، ويجعل المسؤولية السياسية خاضعة للمحاسبة، ويمنح المواطنين وسائل ملموسة لتقييم أداء الحكومة ومساءلتها عن حصيلتها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button