‏آخر المستجداتفنون وثقافة

احتكار توزيع الكتاب بالمغرب يفاقم أزمة النشر.. ناشرون وكتاب تحت رحمة شروط مجحفة

ـ ضمان مالي بـ3000 درهم وعمولة تقترب من نصف المبيعات.. والكتاب المطبوع يواجه اختناقاً في الوصول إلى القراء ـ

كش بريس/التحرير (م غ) ـ

تتفاقم أزمة الكتاب المغربي عند الحلقة الأكثر حساسية في دورة إنتاجه: التوزيع. فبين تكاليف الطباعة التي يتحمل المؤلفون جزءاً كبيراً منها، وضعف الإقبال على القراءة، ومحدودية منافذ البيع، يجد كتاب وناشرون أنفسهم أمام شروط تجارية يصفونها بالمجحفة، في ظل هيمنة شركة معروفة على حصة واسعة من سوق توزيع الكتب بالمغرب.

وحسب إفادات استقاها موقعنا من ناشرين وكتاب، تفرض الشركة المعنية تسبيقاً في شكل ضمان مالي يصل إلى 3000 درهم، فضلاً عن اقتطاع نسبة تقترب من 50 في المائة من مبيعات الكتاب، مقابل توزيعه على المكتبات، دون توسيع شبكة الترويج لتشمل أكشاك الصحف والمجلات، التي كانت تشكل سابقاً منفذاً إضافياً لوصول المنشورات إلى القراء.

وتثير هذه الشروط تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة التجارية بين الناشر والموزع، وحدود التوازن بين كلفة التوزيع والعائد الذي يحصل عليه أصحاب الكتب، خصوصاً في سوق يعاني أصلاً من ضعف الطلب ومحدودية انتشار القراءة.

كتاب يُطبع ولا يصل إلى قارئه

وتتجاوز المشكلة، وفق إفادات مهنيين، مسألة العمولات والضمانات المالية، لتطال المسار الكامل للكتاب المغربي؛ إذ قد ينجح المؤلف في إخراج عمله إلى الوجود، ويتحمل أحياناً نفقات طباعته من ماله الخاص، ثم يصطدم بصعوبة تسويقه وتوزيعه، بما يقلص فرص استرداد تكاليف الإنتاج أو تحقيق مردودية تساعده على مواصلة الكتابة والنشر.

ويضع هذا الواقع الكتاب والناشر أمام معادلة غير متكافئة: استثمار مالي وجهد فكري في إعداد العمل وإصداره، مقابل منافذ محدودة للوصول إلى الجمهور، وهو ما يهدد بتحويل النشر إلى مغامرة مكلفة، ويثقل كاهل المؤلفين المستقلين والناشرين ذوي الإمكانات المحدودة.

كما أن حصر التوزيع في المكتبات، وفق المعطيات التي أوردها المتحدثون للموقع، يضيّق فرص حضور الكتاب في الفضاءات التجارية والثقافية الأخرى، ويحد من إمكان وصوله إلى فئات جديدة من القراء، في وقت تحتاج فيه صناعة الكتاب إلى توسيع منافذ البيع وتطوير آليات التسويق والترويج.

سوق تحتاج إلى المنافسة والشفافية

وأعادت الشروط المتداولة في أوساط النشر طرح سؤال المنافسة داخل سوق توزيع الكتاب بالمغرب، ومدى قدرة الفاعلين الجدد على دخول القطاع وتقديم بدائل تجارية أكثر استجابة لحاجيات المؤلفين والناشرين.

وفي هذا السياق، سبق لمثقفين ومهتمين بالمجال أن أبدوا استعدادهم لإحداث شركات منافسة تتولى توزيع الكتب وتخفيف الأعباء عن أصحابها، غير أن هذه المبادرات اصطدمت، بحسب المعطيات المتوفرة، بصعوبات حالت دون انتقالها إلى مرحلة التنفيذ.

ويطرح تعثر هذه المبادرات الحاجة إلى تهيئة شروط الاستثمار في توزيع الكتاب، وتسهيل إحداث مقاولات متخصصة، بما يسمح بتوسيع شبكة التوزيع وخلق بدائل حقيقية أمام الناشرين، عوض استمرار الارتهان إلى عدد محدود من الفاعلين.

أزمة توزيع أم أزمة سياسة ثقافية؟

إن اختناق توزيع الكتاب لا يمكن فصله عن أزمة أوسع تتعلق بمكانة القراءة في المجتمع، وبمدى قدرة السياسات الثقافية على دعم صناعة النشر، وتوسيع قاعدة القراء، وتحفيز المكتبات ومنافذ البيع، وضمان تداول الإنتاج الفكري والأدبي خارج الدوائر المحدودة.

فحين يصبح الوصول إلى القارئ مكلفاً ومعقداً، يتحول الكتاب إلى منتج محاصر بين نفقات الطباعة وشروط التسويق وضعف المردودية. وتكون النتيجة إضعاف فرص المؤلفين في نشر أعمال جديدة، وتقليص قدرة الناشرين على المخاطرة بإصدارات غير مضمونة تجارياً، بما ينعكس سلباً على التنوع الثقافي والإنتاج المعرفي.

وأمام هذه الوضعية، تتزايد الحاجة إلى فتح نقاش مهني ومؤسساتي حول بنية سوق توزيع الكتاب، وشروط التعاقد بين الموزعين والناشرين، وإمكانات تعزيز المنافسة، إلى جانب توفير تحفيزات للاستثمار في القطاع وتطوير منافذ البيع التقليدية والرقمية.

فالمطلوب لا يقتصر على تخفيف الأعباء المالية عن الناشر والمؤلف، وإنما يتصل ببناء منظومة متكاملة تضمن للكتاب فرصة الوصول إلى جمهوره، وتمنح صناعة النشر شروطاً أكثر توازناً للاستمرار. أما ترك التوزيع رهيناً بمنافذ محدودة وشروط يشتكي المهنيون من قسوتها، فيُبقي أزمة الكتاب مفتوحة، ويجعل القارئ الحلقة الغائبة في سوق يفترض أن يكون جوهرها تداول المعرفة وتوسيع انتشارها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button