
ـ من المعرفة المؤسساتية إلى تفكيك السلطة والفاعلين ـ

كش بريس/التحرير ـ
صدر حديثاً عن دار العرفان للطباعة والنشر كتاب «المفاهيم الأساسية لعلم السياسة» للأستاذ عبد الرحيم العلام، في طبعة 2026، ضمن عمل معرفي يمتد على نحو 336 صفحة، ويقترح مدخلاً تحليلياً إلى أحد أكثر الحقول الإنسانية اتصالاً بتحولات المجتمع والدولة والسلطة. ويذهب الكتاب إلى مساءلة الأسس المعرفية التي تشكل علم السياسة، وتتبع المفاهيم الناظمة لاشتغاله، وصولاً إلى تحليل القوى والفاعلين الذين ينتجون الفعل السياسي ويوجهون مساراته.
ويتوزع المؤلف على مقدمة وأربعة أقسام تضم عشرة فصول، إضافة إلى خاتمة ولائحة للمراجع. ويكشف هذا البناء عن تصور منهجي ينتقل من تحديد هوية علم السياسة وموضوعه، إلى تفكيك مفاهيم السلطة والنظام السياسي، ثم استكشاف البنى الثقافية والاجتماعية المؤثرة في السلوك السياسي، قبل الوقوف عند الأحزاب السياسية وجماعات المصالح باعتبارها مكونات أساسية في صناعة القرار وتشكيل المجال العام.
من القانون الدستوري إلى السياسة بوصفها ممارسة اجتماعية
ينطلق عبد الرحيم العلام من مراجعة المسار الذي تشكلت داخله المعرفة السياسية، متوقفاً عند التحول الذي نقل الاهتمام من دراسة المؤسسات والقواعد الدستورية إلى تحليل الممارسة السياسية كما تجري داخل المجتمع. ويستحضر في هذا السياق تجربة موريس دوفرجيه، مع تجنب اختزال نشأة علم السياسة في مساهمة فردية، بالنظر إلى أن استقلال هذا الحقل المعرفي جاء نتيجة تراكمات تاريخية ومؤسساتية ومنهجية متعددة.
ويستعين المؤلف، في الفصل الأول، بصورة «الجبل الجليدي» لتوضيح المسافة بين السياسة الظاهرة في التداول اليومي، بما تتضمنه من أحداث وتصريحات وصراعات معلنة، والسياسة العميقة التي تستدعي أدوات البحث العلمي للكشف عن بنياتها وعلاقات القوة التي تحكمها. فالوقائع السياسية المرئية لا تستنفد حقيقة الفعل السياسي؛ إذ تختبئ خلفها شبكات المصالح وآليات التأثير وموازين القوى وأنماط إنتاج الشرعية.
ويخصص القسم الأول لتأسيس الإطار الإبستمولوجي للكتاب، من خلال بحث نشأة علم السياسة وهويته المعرفية وموضوعه ومناهجه، متتبعاً تطوره من التصور الأرسطي للسياسة باعتبارها علماً عملياً مرتبطاً بتدبير شؤون المدينة، إلى التعريفات المؤسساتية الكلاسيكية، وصولاً إلى المقاربات الواقعية والسلوكية التي أعادت توجيه البحث نحو تحليل السلوك السياسي والوقائع القابلة للملاحظة.
ويستكمل الفصل الثاني هذا المسار بإعادة بناء مفهوم السياسة عبر تحولاته التاريخية والدلالية، انطلاقاً من المدينة الإغريقية والشأن العام الروماني، مروراً بدلالات الرياسة والتدبير في التراث العربي، وصولاً إلى تصورات ماكس فيبر وهارولد لاسويل وديفيد إيستون وكارل شميت وحنة أرندت. ويكشف هذا التعدد النظري عن صعوبة إخضاع السياسة لتعريف مغلق، بالنظر إلى تداخل أبعادها السلطوية والمؤسساتية والاجتماعية والأخلاقية.
السلطة والنظام السياسي.. تفكيك آليات القوة والشرعية
ينتقل القسم الثاني إلى مفهومين مركزيين في التحليل السياسي: السلطة السياسية والنظام السياسي. وفي معالجته للسلطة، يتجاوز المؤلف حدود التعريف القانوني الذي يحصرها في الاختصاصات الرسمية للدولة، ليتتبع امتداداتها الاجتماعية والرمزية، وعلاقتها بالاعتراف والقبول والشرعية.
ويستثمر في ذلك تصنيف ماكس فيبر لأنماط المشروعية، إلى جانب المقاربات الطبقية التي تفسر السلطة من خلال علاقات الإنتاج والصراع الاجتماعي، وصولاً إلى تصور ميشيل فوكو للسلطة الانضباطية، حيث تتوزع آليات التأثير والمراقبة والتطبيع داخل المؤسسات والممارسات اليومية. وهكذا يتسع مفهوم السلطة ليشمل ما يتجاوز أجهزة الحكم، ويكشف عن حضورها في تشكيل السلوك وإنتاج المعايير وتوجيه العلاقات الاجتماعية.
أما النظام السياسي، فيتناوله المؤلف من زاوية تمييزه عن صورته الرسمية الجامدة، معتمداً على التحليل النسقي الذي يفسر اشتغاله من خلال المدخلات والمخرجات والتغذية الراجعة. غير أن عرضه لهذا النموذج لا يتوقف عند إمكاناته التفسيرية، وإنما يمتد إلى مساءلة حدوده، خاصة ما يتعلق بصعوبة استيعاب الصراعات الداخلية، وتأثير التحولات والضغوط الدولية العابرة للحدود في استقرار الأنظمة السياسية.
الثقافة والهوية والرأي العام.. المجتمع في قلب الفعل السياسي
ويشكل القسم الثالث مساحة واسعة لتحليل الوسائط الاجتماعية والثقافية التي تتدخل في تكوين الوعي السياسي وتوجيه السلوك الجماعي. ويتناول أربعة محاور تتصل بالثقافة السياسية والهوية السياسية والتنشئة السياسية والرأي العام والدعاية، مبرزاً الكيفية التي تتحول بها القيم والانتماءات والتمثلات الفردية إلى مواقف ومطالب وممارسات ذات أثر في المجال العام.
ويكتسب هذا القسم أهميته من ربط المفاهيم الكلاسيكية بالتحولات المعاصرة؛ إذ يعيد قراءة الهوية السياسية في ضوء العولمة والتغيرات التكنولوجية، ويتناول تدبير التعدد والاختلاف من خلال الديمقراطية التوافقية وسياسات الاعتراف، كما يضع التنشئة السياسية ضمن علاقة متوترة بين مؤسسات تسعى إلى إنتاج الامتثال، وفاعلين اجتماعيين يمتلكون إمكانات بناء أنماط مغايرة من الوعي والمشاركة.
وفي تناوله للرأي العام والدعاية، ينتقل المؤلف من نماذج التأثير التقليدية التي تفسر تشكيل المواقف عبر الوسائط والمرشحات البنيوية، إلى التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية والخوارزميات. ويستحضر في هذا السياق ظاهرة «الفقاعات الخوارزمية» وما يرتبط بها من تعزيز الانحياز التأكيدي، وتوجيه تدفق المعلومات، وإعادة تشكيل المجال الذي تتكون داخله المواقف والاختيارات السياسية.
وتبرز هذه المعالجة أن التحول الرقمي لم يغير قنوات الاتصال السياسي وحدها، وإنما مسّ شروط إنتاج الرأي العام وتداوله، وطرح أسئلة جديدة حول استقلالية الفرد وقدرته على بناء موقف نقدي في بيئة تتحكم فيها خوارزميات الانتقاء والتوصية.
الأحزاب وجماعات الضغط.. من يمثل المجتمع ومن يصنع القرار؟
ويخصص القسم الرابع لدراسة الفاعلين السياسيين، انطلاقاً من خريطة واسعة تشمل النقابات والجمعيات والحركات الاجتماعية، قبل التركيز على الأحزاب السياسية وجماعات المصالح والضغط.
ويحلل المؤلف التحولات التي عرفتها التنظيمات الحزبية، من أحزاب الجماهير إلى الأحزاب الشاملة، وصولاً إلى أحزاب الكارتل التي تتزايد صلاتها بالتمويل العمومي وأجهزة الدولة. ويتيح هذا المسار فهم التغير الذي أصاب وظيفة الأحزاب، من تنظيم المطالب الاجتماعية وتأطير المشاركة السياسية إلى أدوار الوساطة والتنافس على السلطة، وما يرافق ذلك من أزمات تمثيلية وتنظيمية.
كما يتوقف عند جماعات المصالح والضغط، باعتبارها فاعلين يؤثرون في صناعة القرار العمومي دون خوض المنافسة المباشرة على الحكم. ويكشف هذا المحور عن تعدد مراكز التأثير داخل الدولة والمجتمع، وعن الدور الذي تؤديه المصالح المنظمة في توجيه السياسات والاختيارات العامة.
ومن خلال هذا الانتقال، يضع الكتاب أزمة الوساطة السياسية في سياقها البنيوي، رابطاً تراجع الثقة في المؤسسات التمثيلية بتحولات التنظيم الحزبي، وتبدل أنماط المشاركة، وصعود قوى اجتماعية تمتلك وسائل جديدة للتأثير في القرار السياسي.
السياسة بين تدبير القوة وإمكان الحرية
وفي الخاتمة، يجمع عبد الرحيم العلام الخيوط النظرية التي نسجها عبر فصول الكتاب، مستحضراً التوتر بين تصورين متباينين للسياسة؛ أولهما ينظر إليها من زاوية القوة والصراع على النفوذ والتوزيع السلطوي للقيم والموارد، وثانيهما يربطها بالحرية والتعددية والفعل المشترك داخل الفضاء العام.
وبين هذين التصورين، يمنح المؤلف للسياسة دلالة تتجاوز تقنيات الحكم وتدبير المؤسسات، حين يصفها بأنها «المغامرة الجماعية الأرقى للبشر» (ص 330)، في إحالة إلى بعدها الإنساني القائم على المشاركة وصناعة المصير المشترك.
ولا يدعي الكتاب الإحاطة بجميع التحولات التي يشهدها الحقل السياسي؛ إذ يشير المؤلف إلى موضوعات لم يتسع لها هذا الجزء، من قبيل الحركات الاجتماعية والاحتجاج الرقمي والتحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية، مرجحاً تخصيص جزء ثانٍ لمعالجتها.
وبذلك يقدم «المفاهيم الأساسية لعلم السياسة» مدخلاً معرفياً يجمع بين التأصيل النظري والتحليل النقدي، ويعيد وصل المفاهيم السياسية بسياقات إنتاجها وتحولاتها التاريخية والاجتماعية. وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يتيح للقارئ الانتقال من استهلاك الوقائع السياسية إلى مساءلة شروط تشكلها، ومن متابعة المؤسسات والقرارات إلى تفكيك علاقات القوة والتمثيل والشرعية التي تصنع السياسة في عمقها الاجتماعي.




