
إن ما أثاره وزير العدل السابق مصطفى الرميد بشأن قرار رفع معاش الأرملة من 50% إلى 100%، وتحذيره من تداعيات استمرار إسقاطه في حالة زواجها من جديد، استناداإلى ما سماه «تأثير الكوبرا»، يفتح نقاشا يتجاوز الجانب التقني المرتبط بتدبير المعاشات، ليطرح أسئلة جوهرية حول فلسفة الحماية الاجتماعية، وموقع حقوق النساء في السياسات العمومية، ومدى احترام استقلاليتهن وحقهن في الاختيار.
بداية، لا بد من التذكير بأن معاش الأرملة ليس منحة مقابل استمرارها في وضعية الترمل، ولا مكافأة على عدم الزواج، بل هو حق اجتماعي يهدف الى ضمان الحماية الاقتصادية والاجتماعية بعد فقدان الزوج. وبالتالي، فإن ربط استمرار هذا الحق بعدم الزواج مجددايضع المرأة أمام مفاضلة غير منصفة بين حقها في الأمن الاقتصادي وحقها في إعادة بناء حياتها الشخصية والأسرية.
ثم إن استحضار «تأثير الكوبرا» لتبرير التخوف من رفع المعاش أو المطالبة بإعادة النظر في شروط استحقاقه لا ينبغي أن يحجب حقيقة أكثر أهمية، وهي أن السياسات الاجتماعية يجب أن نقيمها بمدى احترامها للحقوق والكرامة الإنسانية، وليس فقط بمدى قدرتها على توجيه سلوك الأفراد أو التأثير في اختياراتهم الشخصية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن الواقع أكثر تعقيدا من الافتراضات النظرية. فكثير من الأرامل، خصوصا اللواتي لديهن أطفال، لا يعدن إلى الزواج، ليس بالضرورة لغياب الرغبة في بناء حياة جديدة، وإنما بسبب المسؤوليات الأسرية الثقيلة، والالتزامات المرتبطة بتربية الأبناء ورعايتهم وضمان استقرارهم ومستقبلهم، فضلا عن الاعتبارات الاجتماعية التي تجعل إعادة الزواج أكثر تعقيدا بالنسبة إليهن.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعقل أن تتحمل الأرملة مسؤولية إعالة أبنائها وتربيتهم، ثم تجد نفسها مهددة بفقدان مورد مالي أساسي لمجرد أنها اختارت الزواج مجددا؟ وهل يعني الزواج الجديد أن مسؤوليتها تجاه أبنائها قد انتهت، أو أن الزوج الجديد أصبح تلقائياملزما بإعالتهم؟
إن الزواج لا يمحو آثار الترمل، ولا يلغي الالتزامات الأسرية والمادية إن ما أثاره وزير العدل السابق مصطفى الرميد بشأن قرار رفع معاش الأرملة من 50% إلى 100%، وتحذيره من تداعيات استمرار إسقاطه في حالة زواجها من جديد، استناداإلى ما سماه «تأثير الكوبرا»، يفتح نقاشا يتجاوز الجانب التقني المرتبط بتدبير المعاشات، ليطرح أسئلة جوهرية حول فلسفة الحماية الاجتماعية، وموقع حقوق النساء في السياسات العمومية، ومدى احترام استقلاليتهن وحقهن في الاختيار.
بداية، لا بد من التذكير بأن معاش الأرملة ليس منحة مقابل استمرارها في وضعية الترمل، ولا مكافأة على عدم الزواج، بل هو حق اجتماعي يهدف الى ضمان الحماية الاقتصادية والاجتماعية بعد فقدان الزوج. وبالتالي، فإن ربط استمرار هذا الحق بعدم الزواج مجددايضع المرأة أمام مفاضلة غير منصفة بين حقها في الأمن الاقتصادي وحقها في إعادة بناء حياتها الشخصية والأسرية.
ثم إن استحضار «تأثير الكوبرا» لتبرير التخوف من رفع المعاش أو المطالبة بإعادة النظر في شروط استحقاقه لا ينبغي أن يحجب حقيقة أكثر أهمية، وهي أن السياسات الاجتماعية يجب أن نقيمها بمدى احترامها للحقوق والكرامة الإنسانية، وليس فقط بمدى قدرتها على توجيه سلوك الأفراد أو التأثير في اختياراتهم الشخصية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن الواقع أكثر تعقيدا من الافتراضات النظرية. فكثير من الأرامل، خصوصا اللواتي لديهن أطفال، لا يعدن إلى الزواج، ليس بالضرورة لغياب الرغبة في بناء حياة جديدة، وإنما بسبب المسؤوليات الأسرية الثقيلة، والالتزامات المرتبطة بتربية الأبناء ورعايتهم وضمان استقرارهم ومستقبلهم، فضلا عن الاعتبارات الاجتماعية التي تجعل إعادة الزواج أكثر تعقيدا بالنسبة إليهن.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعقل أن تتحمل الأرملة مسؤولية إعالة أبنائها وتربيتهم، ثم تجد نفسها مهددة بفقدان مورد مالي أساسي لمجرد أنها اختارت الزواج مجددا؟ وهل يعني الزواج الجديد أن مسؤوليتها تجاه أبنائها قد انتهت، أو أن الزوج الجديد أصبح تلقائياملزما بإعالتهم؟
إن الزواج لا يمحو آثار الترمل، ولا يلغي الالتزامات الأسرية والمادية القائمة تجاه الأبناء. كما أن إسقاط المعاش قد لا ينعكس على المرأة وحدها، بل قد يمتد أثره إلى أطفال يعتمدون على هذا المورد في تعليمهم ومعيشتهم واستقرارهم.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش ينبغي أن يستحضر أيضا مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، كما كرسته اتفاقية حقوق الطفل، وأن يضع حماية الأبناء في صلب أي مراجعة تشريعية تتعلق بالمعاشات والحقوق الاجتماعية.
وعلى مستوى المرجعيات الدولية، فإن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ولا سيما المادتين 11 و16، تؤكد ضرورة ضمان المساواة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والحق في اختيار الزوج بحرية وعلى قدم المساواة. كما يكرس العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في مادته التاسعة، الحق في الضمان الاجتماعي، فيما تؤكد المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز.
وتقتضي هذه المرجعيات إخضاع أي تمييز قائم على الحالة الزوجية للمرأة لفحص جدي من زاوية المساواة وعدم التمييز والتناسب، وعدم تحويل الحماية الاجتماعية إلى وسيلة للتدخل في حياتها الخاصة أو التأثير في قراراتها الشخصية.
أما ادعاء تراجع الخصوبة والتوازن الديموغرافي لتبرير هذا النقاش، فيطرح بدوره إشكالا في تصور دور المرأة داخل المجتمع. فالمرأة ليست مجرد وسيلة لتحقيق أهداف ديموغرافية، وليست مسؤوليتها أن تعالج اختلالات الخصوبة من خلال قراراتها الشخصية. وإذا كان تراجع الخصوبة يشكل اليوم تحديا للسياسات العمومية، فإن مواجهته تقتضي توفير شروط العيش الكريم، والسكن اللائق، والشغل المستقر، والحضانة، والحماية الاجتماعية، وتقاسم المسؤوليات الأسرية بين النساء والرجال، وليس ربط حقوق الأرامل بخياراتهن الزوجية.
وقد اصبح من المفروض ، من منظور حقوقي وتشريعي، مراجعة المقتضيات التي تجعل الزواج سببا تلقائي السقوط معاش الأرملة، واعتماد مقاربة تضمن استمرار الحماية الاجتماعية، مع مراعاة طبيعة الحقوق المكتسبة، ومصادر تمويل المعاش، والحقوق المستقلة للأبناء المستحقين. فالدولة التي تدعي انها تلتزم بحماية النساء لا ينبغي أن تجعل من الزواج سببا للحرمان الاقتصادي، ولا من عدم الزواج شرطا لاستمرار الحماية. والأرملة حرة في ألا تتزوج، كما هي حرة في أن تتزوج مجددا ومن حقها في الحالتين أن تعيش بكرامة وأمان اقتصادي. كما ان المعاش ليس ثمنا للترمل، والزواج ليس تنازلا عن الحقوق، والأبناء لا ينبغي أن يؤدوا ثمن اختيارات أمهاتهم.
وتبقى الديموغرافيا مسؤولية السياسات العمومية، وليست مسؤولية الأرامل، كما ان حقوق النساء لا ينبغي أن تظل رهينة بالحالة العائلية أو بالتصورات النمطية لأدوارهن داخل المجتمع. تجاه الأبناء. كما أن إسقاط المعاش قد لا ينعكس على المرأة وحدها، بل قد يمتد أثره إلى أطفال يعتمدون على هذا المورد في تعليمهم ومعيشتهم واستقرارهم.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش ينبغي أن يستحضر أيضا مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، كما كرسته اتفاقية حقوق الطفل، وأن يضع حماية الأبناء في صلب أي مراجعة تشريعية تتعلق بالمعاشات والحقوق الاجتماعية.
وعلى مستوى المرجعيات الدولية، فإن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ولا سيما المادتين 11 و16، تؤكد ضرورة ضمان المساواة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والحق في اختيار الزوج بحرية وعلى قدم المساواة. كما يكرس العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في مادته التاسعة، الحق في الضمان الاجتماعي، فيما تؤكد المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز.
وتقتضي هذه المرجعيات إخضاع أي تمييز قائم على الحالة الزوجية للمرأة لفحص جدي من زاوية المساواة وعدم التمييز والتناسب، وعدم تحويل الحماية الاجتماعية إلى وسيلة للتدخل في حياتها الخاصة أو التأثير في قراراتها الشخصية.
أما ادعاء تراجع الخصوبة والتوازن الديموغرافي لتبرير هذا النقاش، فيطرح بدوره إشكالا في تصور دور المرأة داخل المجتمع. فالمرأة ليست مجرد وسيلة لتحقيق أهداف ديموغرافية، وليست مسؤوليتها أن تعالج اختلالات الخصوبة من خلال قراراتها الشخصية. وإذا كان تراجع الخصوبة يشكل اليوم تحديا للسياسات العمومية، فإن مواجهته تقتضي توفير شروط العيش الكريم، والسكن اللائق، والشغل المستقر، والحضانة، والحماية الاجتماعية، وتقاسم المسؤوليات الأسرية بين النساء والرجال، وليس ربط حقوق الأرامل بخياراتهن الزوجية.
وقد اصبح من المفروض ، من منظور حقوقي وتشريعي، مراجعة المقتضيات التي تجعل الزواج سببا تلقائيالسقوط معاش الأرملة، واعتماد مقاربة تضمن استمرار الحماية الاجتماعية، مع مراعاة طبيعة الحقوق المكتسبة، ومصادر تمويل المعاش، والحقوق المستقلة للأبناء المستحقين.
فالدولةالتي تدعي انها تلتزم بحماية النساء لا ينبغي أن تجعل من الزواج سببا للحرمان الاقتصادي، ولا من عدم الزواج شرطا لاستمرار الحماية.
والأرملة حرة في ألا تتزوج، كما هي حرة في أن تتزوج مجددا ومن حقها في الحالتين أن تعيش بكرامة وأمان اقتصادي.
كما ان المعاش ليس ثمنا للترمل، والزواج ليس تنازلا عن الحقوق، والأبناء لا ينبغي أن يؤدوا ثمن اختيارات أمهاتهم.
وتبقى الديموغرافيا مسؤولية السياسات العمومية، وليست مسؤولية الأرامل، كما ان حقوق النساء لا ينبغي أن تظل رهينة بالحالة العائلية أو بالتصورات النمطية لأدوارهن داخل المجتمع.




