
كش بريس/التحرير ـ
أعادت وزارة الداخلية فتح ملف تمليك الأراضي الفلاحية البورية التابعة للجماعات السلالية، عبر اعتماد مسطرة جديدة تروم تسريع نقل الملكية إلى ذوي الحقوق وتجاوز التعثر الذي طبع المراحل السابقة، بعد أن ظلت الإجراءات المعتمدة عاجزة عن بلوغ النتائج التي كانت تراهن عليها السلطات.
وتأتي الخطوة الجديدة في سياق إعادة تنظيم مسار التمليك، من خلال تبسيط الإجراءات القانونية والتقنية والإدارية، واعتماد مبدأ مجانية العملية لفائدة المستفيدين، مع تشديد آليات المراقبة وربط الحصول على الملكية بالتزام واضح بإنجاز مشاريع استثمارية فلاحية.
وكشفت مراسلة وجهها عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، أن التدابير التي اتخذتها الوزارة خلال الفترة الماضية مكنت، بناء على طلبات فردية تقدم بها أعضاء الجماعات السلالية وموافقة مجلس الوصاية المركزي، من تمليك نحو 16 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية البورية.
غير أن الوزارة أقرت بأن الحصيلة المسجلة لم ترق إلى مستوى الأهداف المنتظرة، وهو ما دفعها إلى وضع مسطرة جديدة تستهدف تسريع وتيرة التمليك وتمكين ذوي الحقوق من تثبيت ملكيتهم للأراضي التي يستغلونها، بما يتيح لهم توظيفها اقتصاديا وتحسين أوضاعهم الاجتماعية.
وتستند المسطرة الجديدة إلى التوجيهات الملكية المتعلقة بتعبئة العقارات السلالية لخدمة الاستثمار، وإلى مقتضيات القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، فضلا عن مرسومه التطبيقي رقم 2.19.973 والنصوص التنظيمية الصادرة خلال سنتي 2020 و2026.
عقار محفظ واستغلال فعلي
وضعت الوزارة جملة من الشروط أمام عمليات التمليك المجاني، في مقدمتها أن يكون العقار محفظا وخاليا من النزاعات، وأن تكون له طبيعة فلاحية، وأن يكون مستغلا فعليا من طرف أعضاء الجماعة السلالية، وألا يكون داخلا ضمن وثائق التعمير أو واقعا في نطاق دوائر الري.
كما يتعين أن يكون العقار خاضعا للوصاية الإدارية، وأن تعلن الجماعة السلالية، بواسطة نوابها، موافقتها على إدراجه ضمن عملية التمليك، قبل إحالة المقترحات على السلطات الإقليمية ومصالح الوصاية المختصة، تمهيدا لاتخاذ القرار الوزاري القاضي بفتح العقار للتمليك.
أما المستفيد، فيشترط أن يكون مقيدا ضمن اللائحة الرسمية لأعضاء الجماعة السلالية، وأن يكون مستفيدا بصورة قانونية من حصة جماعية، وبالغا سن الرشد ومتمتعا بالأهلية القانونية، مع التزامه بإنجاز مشروع استثماري فلاحي فوق العقار موضوع التمليك.
وحددت المسطرة المساحة الدنيا للقطع القابلة للتمليك في عشرة هكتارات، سواء تعلق الأمر بقطعة واحدة أو بمجموعة من القطع المتجاورة التي يمكن تجميعها. كما فتحت إمكانية معالجة القطع التي تقل مساحتها عن هذا الحد من خلال مشاريع التجميع العقاري، وفق الشروط والضوابط القانونية الجاري بها العمل.
التجميع والتقسيم تحت المراقبة
وتسمح الإجراءات الجديدة بإعداد مشاريع تقسيم العقارات الفلاحية بواسطة مكاتب دراسات طبوغرافية معتمدة، بتنسيق مع الجماعات السلالية والسلطات المحلية، على أن تخضع التصاميم للمصادقة قبل الانتقال إلى المراحل التقنية والقانونية المرتبطة بالتمليك.
وتحاول الوزارة من خلال هذا المسار معالجة أحد أبرز جوانب التعقيد التي رافقت عمليات نقل الملكية، عبر تنظيم وضعية العقارات منذ مرحلة التحديد والتقسيم، وصولا إلى إعداد الوثائق اللازمة لتحرير عقود التمليك وتقييدها في السجلات العقارية.
الملكية مقابل الاستثمار
ولا تمنح المسطرة الجديدة التمليك باعتباره انتقالا آليا ونهائيا للملكية خارج أي التزام، وإنما تربطه بجملة من الشروط الاستثمارية التي يتعين على المستفيد احترامها.
وفي هذا الإطار، اشترطت الوزارة توقيع دفتر تحملات يحدد طبيعة المشروع الفلاحي المزمع إنجازه فوق العقار، وربطت استكمال بعض الإجراءات القانونية المرتبطة بالتمليك بمدى احترام الالتزامات الاستثمارية الواردة في هذا الدفتر.
كما أوكلت إلى مصالح الوصاية الإقليمية مهمة تتبع المشاريع، عبر لجان مختصة تقوم بمعاينة الأشغال والإنجازات والتحقق من مدى التزام المستفيدين بالبرامج المقررة، قبل استكمال الإجراءات المتعلقة برفع القيود القانونية المترتبة عن العملية.
وتحمل هذه المقتضيات بعدا واضحا في مواجهة المضاربة العقارية، إذ تسعى إلى ضمان بقاء الأراضي المملّكة ضمن دورة الإنتاج الفلاحي، وعدم تحول نقل ملكيتها إلى مدخل للمضاربة أو تغيير طبيعتها واستعمالاتها خارج الأهداف التي أطلقت من أجلها العملية.
لجان إقليمية لتسريع الملفات
وستضطلع اللجان الإقليمية للتمليك بدور محوري في تنفيذ المسطرة الجديدة، من خلال التأكد من استيفاء الطلبات للشروط القانونية، وتتبع عمليات التحديد والتقسيم، والمصادقة على المشاريع التقنية، ودراسة الشكايات المقدمة من ذوي الحقوق، واقتراح الحلول للصعوبات التي قد تعترض التنفيذ.
وتتولى هذه اللجان، التي يرأسها العمال أو من ينوب عنهم وتضم ممثلين عن السلطات المحلية والمصالح التقنية المختصة ونواب الجماعات السلالية، إعداد مخططات عمل سنوية تهدف إلى رفع وتيرة التمليك، مع إعداد تقارير دورية حول مستوى الإنجاز والإكراهات التي تعترض الملفات.
وفي المستوى المركزي، أسندت إلى لجنة التمليك التابعة لمديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية مهمة المصادقة على مخططات العمل الإقليمية، وتتبع تنفيذ العمليات على الصعيد الوطني، ودراسة الملفات المحالة عليها، واقتراح التدابير الضرورية لتجاوز العراقيل القانونية والإدارية.
تنسيق مع المحافظة العقارية والمصالح الفلاحية
وشددت الوزارة على أن نجاح المسطرة الجديدة يظل مرتبطا بتنسيق فعلي بين مختلف الإدارات والمتدخلين، خصوصا مصالح المحافظة العقارية والمسح العقاري والسلطات الترابية والمصالح الفلاحية.
ويهدف هذا التنسيق إلى تسريع إعداد الملفات التقنية، وضبط عمليات التقسيم والتحديد، وتحرير عقود التمليك وتقييدها في السجلات العقارية، بما يسمح بإتمام انتقال الملكية إلى المستفيدين وفق المساطر القانونية.
وبذلك تنتقل عملية تمليك الأراضي السلالية من منطق معالجة الملفات الفردية المتفرقة إلى مسار أكثر تنظيما، يجمع بين تسريع نقل الملكية، وضبط الاستفادة، وربط العقار بالاستثمار والإنتاج الفلاحي، في محاولة لإخراج آلاف الهكتارات من وضعية الاستغلال غير المستقر إلى ملكيات قابلة للاستثمار والتثمين الاقتصادي.





