
لم تعد القمم الروسية الإفريقية مجرد لقاءات لتجديد الخطاب السياسي حول الصداقة التاريخية والتعاون بين دول الجنوب، بل أصبحت تعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي والعلاقات الدولية، حيث تتنافس القوى الكبرى على بناء شراكات اقتصادية وأمنية وسياسية داخل القارة الإفريقية. وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة المغرب في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، أهمية تتجاوز حدود الحضور الدبلوماسي التقليدي، ولا سيما مع تمثيل الملك من طرف رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري.
فالسؤال الجوهري ليس لماذا شارك المغرب في القمة، بل كيف يمكنه توظيف هذه المشاركة لتعزيز موقعه الإفريقي والدولي، دون الإخلال بتوازن علاقاته مع شركائه الاستراتيجيين؟
تمثيل ملكي يحمل رسائل استراتيجية
لا ينبغي اختزال تمثيل الملك من طرف رئيسة الحكومة في إجراء بروتوكولي، بل يمكن قراءته بوصفه مؤشراً على استمرار الانخراط المغربي في الحوار مع موسكو، ورغبة المملكة في الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف القوى الدولية. وقد ضم الوفد المغربي أيضاً وزير الخارجية ناصر بوريطة، بما يعكس البعد الدبلوماسي والمؤسساتي لهذه المشاركة.
وتكمن أهمية هذا الحضور في أن المغرب لا يتعامل مع إفريقيا باعتبارها مجرد ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، بل ينظر إليها بوصفها مجالاً لبناء المصالح المشتركة وإقامة شراكات طويلة الأمد. وانطلاقاً من ذلك، ركزت المنصوري في كلمتها على ضرورة الانتقال من الاتفاقات المعلنة إلى تنفيذ مشاريع ملموسة تستجيب للأولويات الإفريقية، ولا سيما في مجالات الأمن الغذائي والطاقي، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا.
الرؤية المغربية: تنويع الشركاء دون الدخول في محاور مغلقة
تقوم المقاربة المغربية، في تقديري، على مبدأ محوري يتمثل في توسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي من خلال تنويع الشراكات، لا من خلال استبدال شريك دولي بآخر.
فالمغرب يرتبط بعلاقات اقتصادية وأمنية وسياسية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ويعمل في الوقت نفسه على تطوير علاقاته مع الصين وروسيا ودول الخليج والدول الإفريقية. ولا يعني الانفتاح على موسكو بالضرورة الابتعاد عن الغرب، بل يعكس إدراكاً بأن التحولات الدولية تفرض على الدول المتوسطة والفاعلة إقليمياً بناء خيارات متعددة، بما يحمي مصالحها الاقتصادية ويعزز قدرتها على التفاوض.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في المبادرات الملكية التي استحضرتها رئيسة الحكومة، ولا سيما مبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، والمبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب. وتجعل هذه المشاريع من الربط القاري والبنية التحتية والتكامل الاقتصادي ركائز أساسية في التصور المغربي لمستقبل القارة الإفريقية.
وانطلاقاً من هذه المقاربة، يستطيع المغرب أن يؤدي دوراً مهماً في الربط بين المصالح الروسية والفرص المتاحة في إفريقيا، شريطة أن تتحول هذه الإمكانية إلى استثمارات وشراكات إنتاجية فعلية، وألا تظل مجرد خطاب دبلوماسي.
ماذا تريد روسيا من علاقاتها مع المغرب؟
تنظر موسكو إلى إفريقيا باعتبارها مجالاً لتوسيع حضورها الاقتصادي والسياسي، وتعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، والدفاع عن تصور لنظام دولي أكثر تعددية. وقد عكست القمة طموح روسيا إلى تطوير التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والتجارة والتكنولوجيا والأمن، في ظل تزايد المنافسة الدولية على الأسواق والموارد والممرات الاستراتيجية الحيوية.
أما المغرب، فيمثل بالنسبة إلى روسيا شريكاً مهماً في شمال إفريقيا، بالنظر إلى موقعه الجغرافي، وصلاته الاقتصادية مع أوروبا، وانفتاحه على الأسواق الإفريقية، فضلاً عن تعدد شراكاته وعلاقاته الدبلوماسية. ومن ثم، فإن تعزيز التعاون مع الرباط يتيح لموسكو فرصة لتطوير علاقاتها مع دولة تجمع بين الانتماء الإفريقي والامتداد المتوسطي والأطلسي.
وتعود العلاقات الثنائية إلى مسار طويل، تعزز بإرساء الشراكة الاستراتيجية سنة 2002، ثم تعميقها خلال الزيارة الملكية إلى موسكو سنة 2016. ووفقاً للمعطيات التي عرضتها رئيسة الحكومة خلال القمة، بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين نحو 630 مليون دولار سنة 2025، مع ارتفاع الصادرات المغربية بنسبة 18%. كما أشارت إلى أن أكثر من 7,000 طالب مغربي تابعوا دراستهم الجامعية في روسيا خلال الموسم الجامعي 2024–2025.
غير أن هذه المؤشرات لا تعني أن العلاقات الثنائية بلغت كامل إمكاناتها. فالتحدي يتمثل في تنويع الصادرات المغربية إلى السوق الروسية، وتطوير التعاون العلمي والصناعي، واستكشاف فرص الاستثمار في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، بالتوازي مع معالجة الصعوبات المرتبطة بالنقل والتمويل وآليات الدفع، في ظل التعقيدات الجيوسياسية الراهنة.
مخرجات القمة: من الدبلوماسية إلى اختبار التنفيذ
على المستوى الإفريقي، شهدت القمة توقيع خطة عمل بين مفوضية الاتحاد الإفريقي وروسيا للفترة 2027–2029، تشمل 19 مجالاً للتعاون، من بينها السلم والأمن، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والطاقة، والزراعة، والصحة، والتعليم والتجارة.
وتفتح هذه المجالات آفاقاً يمكن للمغرب الاستفادة منها، خصوصاً في قطاعات الأمن الغذائي والطاقات المتجددة والتكوين والبحث العلمي والبنية التحتية. غير أنه ينبغي التمييز بين اعتماد إطار عام للتعاون وبين إطلاق مشاريع ممولة وقابلة للتنفيذ؛ فنجاح القمة لن يُقاس بعدد التصريحات والاتفاقات وحده، بل بمدى انعكاس مخرجاتها على الاقتصادات الإفريقية، وتوفير فرص العمل، ونقل المعرفة والتكنولوجيا إلى دول القارة.
كما أن تنامي الحضور الروسي في بعض مناطق الساحل يفرض على المغرب قراءة واقعية للعلاقة بين الأمن والتنمية. فالتعاون الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الاستثمار في المؤسسات والبنية التحتية والتعليم والاندماج الاقتصادي، وهي مجالات تتقاطع مع الرؤية المغربية للتنمية الإقليمية.
خاتمة
تكشف مشاركة المغرب في القمة الروسية الإفريقية الثالثة عن توجه واضح نحو تعزيز تعددية الشراكات وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية والاقتصادية، دون الانخراط في محاور دولية مغلقة. فالرهان المغربي الحقيقي لا يتمثل في الانحياز إلى قوة دولية في مواجهة أخرى، بل في تحويل تنوع الشركاء إلى مكاسب اقتصادية ودبلوماسية ملموسة.
وبين طموح روسيا إلى ترسيخ حضورها في إفريقيا، ورغبة المغرب في تعزيز موقعه بوصفه حلقة وصل بين القارات، ستظل النتائج الفعلية للمشاريع والاستثمارات، ومدى إسهامها في تحقيق المصالح المشتركة، المعيار الأهم لقياس نجاح هذه الشراكة.
جمال ايت لعضام
دكتور في العلاقات الدولية و القانون الدولي، بجامعة جيلين تشانتونغ الصينية
مركز الدراسات الاستراتيجية و العلاقات الدولية




