‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د عبد العلي الودغيري: افتحوا أعينكم على الحقيقة

في كتابي الذي سوف يصدر قريبًا بحول الله ، بعنوان : العربية بين الإهمال والاستعمال، قمت بدراسة إحصائية للكتب العلمية المؤلفة بالعربية والمترجَمة إليها والمطبوعة في أغلبيتها الساحقة بمصر، خلال أربعة عقود من ق19م (من 1820 إلى نهاية القرن)، فوجدت أن عددها، حسب ما توفّر لدي من مصادر، وصل إلى 423 عنوانٍ في المجالات الآتية: العلوم الطبية والصيدلية والطبيعية والكيميائية والنبات والحيوان والجيولوجيا والهندسة بأنواعها والرياضيات والميكانيكا والموسيقى…، يضاف إلى هذا ثمانية قواميس خاصة بالمصطلحات الطبية والعلمية الأخرى ( كلها مطبوعة منذ ذلك الوقت)، وعدد من المجلات العلمية التي ظهرت في تلك الفترة، وقد ذكرت منها جملة عناوين. كما يضاف أيضا ما لم يُطبع من المؤلفات والمترجمات فظلت مخطوطة أو أتى عليها الضياع. علما بأن الحقبة المذكورة هي الحقبة التي تم خلالها إحياء تدريس العلوم والفنون والآداب كافةً بالعربية، على يد محمد علي وأبنائه وأحفاده من السلالة التي حكمت مصر إذ ذاك، قبل أن يعمد الاحتلال البريطاني إلى تحويل لغة التدريس إلى الإنجليزية.

وانتهيت من ذلك إلى طرح السؤال الآتي:

إذا كانت المدة القصيرة التي تم فيها إحياء استعمال العربية في تدريس العلوم والمعارف بالعربية وتعلمها (أقل من أربعة عقود) قد أنتجت هذا الكمّ المهم من المترجمات والمؤلفات والمجلات العلمية في منطقة عربية واحدة، وفي ظروف صعبة كانت الأمة كلها في بداية طريق اليقظة بعد قرون من النوم العميق، وبوسائل بسيطة للغاية، فما الذي أنتجته الدول المغاربية مجتمِعة (خمس دول) من المؤلفات والمترجمات العلمية في المجالات التي ذكرتها، بلغتها الوطنية (العربية) أو لغة التعليم المفروضة عليها( الفرنسية)، منذ احتلالها استيطانيًّا واحتلالها لغويًّا وثقافيّا، إلي اليوم؟ كم عدد الكتب الطبية والصيدلية والنباتية والكيميائية والفيزيائية والبيولوجية والطبيعية والحيوانية والفلاحية والبيئية والجيولوجيا والهندسية بأنواعها والرياضية والحسابية والميكانيكية والموسيقية والتقنية …الخ، ألّفت بالعربية أو تُرجمت إليها في منطقتنا المغاربية منذ 1830م (دخول الاحتلال إلى منطقتنا) إلى اليوم (أي خلال 200 عام)؟ وبالمقابل كم عدد الكتب العلمية ( في المجالات التي ذكرتها) مما كان متوقَّعًا أن تنتجه هذه المنطقة خلال المرحلة السابقة من بدء الاحتلال الأوربي إلى اليوم (200 عام) لو كانت لغة العلم التي تلقَّن بها الفنون والمعارف كافةً هي العربية؟

لو قمنا بعملية حسابية بسيطة وافترضنا أن أقل عدد كان يمكن تأليفه وترجمته بالعربية في المجالات العلمية المذكورة وحدها، هو عشرون كتابًا في العام (بمعدل 4 كتب لكل قطر)، لكان مجموع الإنتاج على مدى 200 عام، لا يقل عن أربعة آلاف كتاب. فإذا افترضنا أن معدل الإنتاج هو أربعون كتابا علميا في العام الواحد (بنسبة 8 كتب لكل بلد مغاربي كل عام)، فسيكون مجموع الإنتاج لا يقل عن ثمانية آلاف كتاب علمي بالعربية، وهو مع ذلك رقم متواضع جدا. فهل نتوفر اليوم على ثمانية آلاف كتاب علمي (طبي وصيدلي …الخ) آو نصفه آو ربعه، من إنتاجنا الخالص بالعربية أو الفرنسية أو بهما معا؟

هذا السؤال يفتح أعيننا على الأمر الخطير الذي لا يريد الناس عندنا آن يفتحوا أعينهم عليه، وهو أن استعمال اللغة الأجنبية في تلقين العلوم يقتل حركة التأليف والترجمة والإنتاج العلمي، ويجعلنا عالةً على غيرنا، وعلى اللغة الأجنبية التي سيطرت على تعليمنا وثقافتنا وتكويننا. واستعمال اللغة الوطنية (العربية في حالتنا) يُنعش هذه الحركة ويحييها ويدفعها إلى الازدهار السريع بكل تأكيد.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button