
كش بريس/التحرير ـ
أكد الدكتور محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، أن موجة التدفقات البشرية متعددة الجنسيات والأعمار نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين لا يمكن اختزالها في قراءة أحادية أو تفسير ظرفي، بالنظر إلى تشابك أبعادها الاجتماعية والإنسانية والسياسية والأمنية، وتداخل مصالح عدد من الفاعلين، سواء كانوا نظاميين أو غير نظاميين.
وأوضح الغالي، في قراءة تحليلية للأحداث، أن ما وقع “لا يتعلق بسحابة عابرة”، بل يمثل مؤشرا يستدعي معالجة عميقة للأسباب البنيوية التي تدفع فئات واسعة من الشباب إلى الارتهان لما وصفه بـ”الفردوس المفقود”، نتيجة تراجع الثقة في البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي نشأوا فيها، بما يحد من قدرتهم على الإبداع واستثمار الفرص المتاحة داخل وطنهم.
واعتمد الأستاذ الجامعي في تحليله على مجموعة من المحددات التي اعتبرها أساسية لفهم الظاهرة، مشيرا إلى أن التدفقات البشرية نحو سبتة ومليلية تبدو في ظاهرها انفلاتا أو تقصيرا في التقدير، لكنها في عمقها تعكس صراعا معقدا حول المصالح السيادية، يرتبط بمفاهيم الأمن القومي واختلاف مقاربات الدول في تدبير قضايا الهجرة والحدود.
وفي السياق ذاته، شدد الغالي على أن سبتة ومليلية تظلان مجالين مغربيين خاضعين للاحتلال، معتبرا أن طريقة تدبير الاتصالات الرسمية بين السلطات المغربية والإسبانية، عبر وزارة الداخلية، تعكس الطبيعة الخاصة لهذا الملف، وما يرتبط به من اعتبارات ميدانية وسيادية.
وأضاف أن المغرب، رغم اعتباره من قبل العديد من الأطراف دولة عبور للهجرة غير النظامية، يظل دولة ذات سيادة، ولا ينبغي اختزال دوره في كونه حارسا للحدود الأوروبية أو أداة لتدبير تحديات الأمن الداخلي الأوروبي، مؤكدا أن أي تعاون في هذا المجال ينبغي أن يقوم على احترام المصالح المشتركة والتوازن في تحمل المسؤوليات.
كما حذر من تنامي نفوذ شبكات التهريب والاتجار بالبشر العابرة للحدود، التي أصبحت، بحسب رأيه، أكثر تنظيما وقدرة على استغلال المهاجرين غير النظاميين في أنشطة إجرامية متعددة، من بينها الاتجار بالمخدرات، والاستغلال الاقتصادي والجنسي، وعمليات التزوير، معتبرا أن هذه الشبكات استفادت، بشكل مشبوه، من قرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية لتوسيع هامش تحركاتها وخدمة أهدافها الإجرامية.
وفي محور آخر، أبرز الغالي الدور المتزايد الذي تلعبه التكنولوجيا الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في تغذية موجات الهجرة غير النظامية، من خلال حملات دعائية تعتمد أساليب نفسية وتقنيات رقمية متطورة لاستقطاب الشباب، مستغلة ضعف الوعي الرقمي، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، لتكريس خطاب الهروب من الفقر والبطالة، وتقديم الهجرة باعتبارها الحل الوحيد.
واختتم أستاذ العلوم السياسية تحليله بالتأكيد على أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي تفرض إعادة بناء العلاقة بين المغرب وشركائه الأوروبيين وفق مقاربة جديدة قائمة على مبدأ “رابح – رابح”، بما يضمن الاحترام المتبادل، والتوازن في الالتزامات، واستحضار اعتبارات التاريخ والجغرافيا وحسن الجوار، بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية في تدبير ملفات الهجرة.





