
ـ التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية يرصد تحسناً في مؤشرات تصفية القضايا بمحاكم الموضوع، مقابل ارتفاع الملفات المعروضة على محكمة النقض وتزايد رصيدها العالق ـ
كش بريس/التحرير ـ
أظهرت حصيلة النشاط القضائي بالمغرب خلال سنة 2025 تحسناً في قدرة محاكم الموضوع على معالجة الملفات المعروضة عليها، مع ارتفاع نسب البت مقارنة بالقضايا الرائجة وتراجع حجم القضايا المتراكمة وتقليص المدة اللازمة لتصفيتها. غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تحجب استمرار الضغط على محكمة النقض، التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في القضايا الجديدة، بالتوازي مع زيادة رصيد الملفات التي تنتظر الحسم.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2025، المنشور بالجريدة الرسمية، عن تفاوت واضح بين أداء محاكم الموضوع ومؤشرات تدبير الملفات على مستوى محكمة النقض، بما يضع نجاعة المنظومة القضائية أمام تحدي التوفيق بين تسريع البت وضمان جودة الأحكام والقرارات.
محاكم الموضوع تتجاوز عتبة التوازن بين التسجيل والبت
بلغت نسبة القضايا المحكومة إلى مجموع القضايا المسجلة بمحاكم الموضوع 101,8 في المائة خلال سنة 2025، محققة بذلك السنة الثالثة توالياً التي تتجاوز فيها هذه النسبة حاجز 100 في المائة. ويعكس هذا المؤشر قدرة المحاكم على البت في عدد من الملفات يفوق حجم القضايا الجديدة المسجلة خلال السنة.
وسجلت محاكم الموضوع 4 ملايين و56 ألفاً و66 قضية جديدة، مقابل 4 ملايين و330 ألفاً و994 قضية سنة 2024، أي بانخفاض قدره 274 ألفاً و928 قضية. وفي المقابل، بلغ مجموع القضايا المحكومة 4 ملايين و117 ألفاً و592 قضية، بما يعزز الفارق الإيجابي بين حجم الملفات المسجلة وتلك التي جرى البت فيها.
وانعكس هذا الأداء على الرصيد الإجمالي للقضايا الرائجة، الذي تراجع بـ418 ألفاً و169 قضية ليستقر عند 4 ملايين و633 ألفاً و917 قضية. كما انخفض عدد الملفات المخلفة إلى 506 آلاف و74 قضية، بتراجع نسبته 12,42 في المائة وفق معطيات التقرير.
تحسن المردودية وتقليص زمن تصفية الملفات
ارتفعت نسبة القضايا المحكومة من مجموع القضايا الرائجة إلى 89,1 في المائة سنة 2025، مقابل 84,31 في المائة خلال السنة السابقة، مسجلة أعلى مستوى خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025.
وسجل الرصيد المتراكم بدوره تراجعاً ملموساً مقارنة بسنة 2022، إذ انتقل من 764 ألفاً و727 قضية إلى 506 آلاف و74 قضية سنة 2025، بانخفاض بلغ 33,8 في المائة.
وامتد التحسن إلى المدة اللازمة لتصفية الملفات المتراكمة، التي تقلصت إلى 45 يوماً خلال السنة الماضية، مقابل 47 يوماً سنة 2024 و56 يوماً سنة 2023. وتبرز هذه الأرقام تقدماً في تدبير القضايا داخل محاكم الموضوع، من خلال تقليص حجم المخلف والمدة اللازمة لمعالجته.
تعزيز الموارد البشرية وارتفاع الحصة الفردية للأحكام
يربط التقرير جانباً من تطور الأداء القضائي بتعزيز الموارد البشرية، إذ ارتفع عدد القضاة إلى 4565 قاضياً سنة 2025، مقابل 3925 قاضياً سنة 2022.
وتزامن هذا التطور مع ارتفاع الحصة الفردية من الأحكام بمحاكم الاستئناف العامة، حيث انتقل متوسط ما يصدره كل مستشار من 407 أحكام سنة 2021 إلى 553 حكماً سنة 2025.
وتقدم هذه المؤشرات صورة عن تطور القدرة الإنتاجية للمحاكم، لكنها تظل مرتبطة أيضاً بحجم القضايا وطبيعتها ودرجة تعقيدها، فضلاً عن الإمكانات التنظيمية والإدارية المتاحة. لذلك، فإن قياس النجاعة القضائية يستدعي النظر إلى سرعة البت وجودة القرارات وضمانات المحاكمة العادلة في تكاملها.
محكمة النقض أمام ضغط متصاعد
في مقابل التحسن المسجل بمحاكم الموضوع، واجهت محكمة النقض خلال سنة 2025 ارتفاعاً في حجم الملفات الجديدة، وفق التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
فقد بلغ عدد القضايا المسجلة بالمحكمة 60 ألفاً و35 قضية، بزيادة قدرها 11 ألفاً و825 قضية مقارنة بسنة 2024، أي بنسبة 24,5 في المائة. وتمكنت المحكمة من إصدار 54 ألفاً و49 قراراً، بزيادة بلغت 1145 قراراً عن السنة السابقة.
ورغم ارتفاع عدد القرارات الصادرة، وصل مجموع القضايا الرائجة إلى 106 آلاف و584 قضية، فيما ارتفع عدد الملفات المخلفة إلى 52 ألفاً و535 قضية. كما زادت المدة المقدرة لتصفية هذا المخلف إلى 355 يوماً سنة 2025، مقابل 322 يوماً سنة 2024.
وتكشف هذه الأرقام عن صعوبة تحقيق التوازن بين تدفق الطعون والقدرة على معالجتها، حتى مع ارتفاع المردودية. فزيادة عدد القرارات لا تكفي وحدها لاحتواء التراكم حين ينمو حجم القضايا الواردة بوتيرة أسرع من القدرة على البت فيها.
الغرفة الجنائية تستحوذ على أكثر من نصف القضايا المسجلة
تصدرت الغرفة الجنائية بمحكمة النقض توزيع القضايا الجديدة، بعدما استقبلت 31 ألفاً و87 قضية، تمثل 51,8 في المائة من مجموع الملفات المسجلة. وبلغ عدد القضايا الرائجة بها 47 ألفاً و31 قضية، أي ما يعادل 44,1 في المائة من الرصيد الإجمالي، فيما أصدرت 26 ألفاً و415 قراراً، بنسبة 48,9 في المائة من مجموع القرارات الصادرة عن المحكمة.
وجاءت الغرفة الإدارية في المرتبة التالية من حيث القضايا المسجلة، بـ11 ألفاً و313 قضية، تمثل 18,9 في المائة من الإجمالي، فيما بلغ عدد ملفاتها الرائجة 18 ألفاً و576 قضية، وأصدرت 7512 قراراً.
أما الغرفة العقارية، فقد بلغ رصيد قضاياها الرائجة 12 ألفاً و16 قضية، وأصدرت 5728 قراراً. وسجلت الغرفة المدنية، من جهتها، إصدار 6556 قراراً خلال السنة نفسها.
ويبرز هذا التوزيع تفاوتاً في حجم الملفات بين الغرف، ما يجعل معالجة الضغط القضائي رهينة أيضاً بخصوصية المنازعات وتوزيع الموارد البشرية والوسائل المتاحة بحسب طبيعة القضايا.
رفض الطلبات يتصدر مآل القرارات
وفي تصنيف القرارات الصادرة عن محكمة النقض خلال سنة 2025، تصدرت قرارات رفض الطلب بـ28 ألفاً و425 قراراً، بما يمثل 52,6 في المائة من مجموع القرارات البالغ عددها 54 ألفاً و49 قراراً.
وجاءت القرارات القاضية بالنقض في المرتبة الثانية، بـ12 ألفاً و392 قراراً، أي بنسبة 22,9 في المائة، فيما شكلت قرارات عدم القبول أو السقوط 19 في المائة من الإجمالي.
وعلى مستوى تطور المردودية خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025، ارتفع عدد القرارات الصادرة عن محكمة النقض من 45 ألفاً و304 قرارات إلى 54 ألفاً و49 قراراً. وفي المقابل، زاد رصيد الملفات المخلفة بنسبة 15,1 في المائة مقارنة بسنة 2021، حين بلغ 45 ألفاً و644 قضية.
وسجلت المردودية الفردية تحسناً في عدد من الغرف، إذ ارتفعت بنسبة 32,9 في المائة بالغرفة الإدارية، و32,8 في المائة بالغرفة المدنية، و28,5 في المائة بالغرفة التجارية.
ترشيد الطعون لتخفيف التراكم
تخلص معطيات التقرير إلى أن تطوير أداء محكمة النقض يقتضي مواكبة ارتفاع الملفات المعروضة عليها بإجراءات تستهدف ترشيد تدفق الطعون، وفق ما أورده المجلس الأعلى للسلطة القضائية. ويبرز هذا التوجه أهمية دراسة أسباب الطعون ومآلاتها، وتعزيز جودة الأحكام الصادرة عن محاكم الموضوع، بما يساعد على الحد من المنازعات التي تصل إلى مرحلة النقض من دون المساس بحق المتقاضين في الطعن الذي يكفله القانون.
وتكشف حصيلة سنة 2025، في مجملها، عن مسارين متوازيين: تقدم في تصفية القضايا وتقليص المتراكم بمحاكم الموضوع، واستمرار الضغط على محكمة النقض رغم ارتفاع عدد قراراتها. ويظل الرهان الأساسي هو تحويل التحسن الكمي إلى نجاعة قضائية مستدامة، تجمع بين تقليص آجال التقاضي، وجودة الأحكام، وحماية حقوق المتقاضين.





