
كش بريس/التحرير ـ
وضع تقرير “مؤشر الهشاشة الانتخابية 2026-2027” الصادر مؤخرا عن مؤسسة كوفي عنان المغرب في منطقة رمادية مثيرة للانتباه، حيث يجمع بين موقع متقدم نسبياً في الترتيب العالمي، ومستويات مرتفعة من مؤشرات احتمال العنف المرتبط بالانتخابات، بما يثير تساؤلات حول طبيعة البيئة السياسية المقبلة.
فقد حلّ المغرب في المرتبة 25 عالمياً ضمن المؤشر العام، محققاً 48.1 نقطة على مقياس مخاطر العنف الانتخابي، في تصنيف يشمل 60 دولة يُتوقع أن تشهد استحقاقات انتخابية خلال الأشهر الثمانية عشر المقبلة. غير أن ما يبدو “ترتيباً متوسطاً” يخفي وراءه مؤشرات فرعية أكثر إثارة للانتباه، خاصة حين يتعلق الأمر باحتمالات العنف ومستوياته.
مؤشرات مرتفعة على الورق.. ومخاطر لا يمكن تجاهلها
التقرير، الصادر بتاريخ 8 يونيو 2026، اعتمد على نموذج تحليلي طورته مؤسسة كوفي عنان بشراكة مع شركة “أبسايت كيو آر إيه” وباحثين من جامعة أوبسالا السويدية، ويضع المغرب ضمن الشريحة المتوسطة العليا من الدول التي يتم رصدها عالمياً، مع تسجيله أرقاماً لافتة في مؤشرات العنف الانتخابي.
وبحسب المعطيات، سجل المغرب نسبة 91.2% في مؤشر “احتمال وقوع العنف”، وهو رقم يضعه في المرتبة 20 عالمياً، ما يعكس – وفق منطق المؤشر – وجود قابلية مرتفعة لحدوث توترات مرتبطة بالمسار الانتخابي، حتى وإن لم تُترجم بالضرورة إلى عنف فعلي واسع النطاق.
العنف المتوسط يتقدم المشهد.. ومؤشرات شديدة الحساسية
الأكثر دلالة في نتائج التقرير أن المغرب سجل 86.1% في مؤشر “احتمال العنف المتوسط”، ليحتل المرتبة 12 عالمياً في هذا الصنف، وهو أعلى ترتيب يحققه ضمن المؤشرات الفرعية، ما يضعه في خانة الدول التي تُصنف على أنها معرضة بشكل ملحوظ لأشكال من التوترات أو الاحتكاكات المرتبطة بالانتخابات.
في المقابل، سجل المغرب 5.1% فقط في مؤشر “احتمال العنف الشديد”، محتلاً المرتبة 24 عالمياً، وهي نسبة تبدو منخفضة نسبياً مقارنة بدول تتصدر التصنيف، ما يشير إلى أن السيناريوهات القصوى للعنف تبقى محدودة الاحتمال وفق النموذج الإحصائي المعتمد.
ترتيب متوسط لكن ضمن بيئة عالمية متوترة
على المستوى العام، جاءت غينيا الاستوائية في صدارة التصنيف العالمي بـ95.5 نقطة، تلتها طاجيكستان ونيكاراغوا وبوروندي وروسيا، في حين جاء المغرب في مرتبة متقدمة نسبياً مقارنة بعدد من الدول الأوروبية والأمريكية المدرجة في المؤشر، من بينها الولايات المتحدة والبرازيل.
غير أن هذا “التقدم في الترتيب” لا يلغي، وفق منطق التقرير، أن المغرب يوجد ضمن مجموعة الدول التي تُصنف كبيئات “حساسة انتخابياً”، حيث تتقاطع فيها عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية قد تؤثر على منسوب التوتر خلال فترات الاستحقاقات.
قراءة في خلفيات المؤشر وحدود الأرقام
التقرير نفسه يقر بأن مؤشر الهشاشة الانتخابية ليس أداة تنبؤية حتمية، بل نموذج تحليلي احتمالي يهدف إلى رصد المخاطر وليس الجزم بوقوعها، معتمداً على بيانات مركبة من مصادر دولية متعددة، من بينها الأمم المتحدة والبنك الدولي ومشاريع متخصصة في تتبع النزاعات والديمقراطية.
كما يشير معدّو المؤشر إلى أن العنف الانتخابي لا يُفسَّر فقط بسير العملية الانتخابية، بل يرتبط أيضاً بسياقات تاريخية واقتصادية واجتماعية معقدة، يصعب اختزالها في أرقام مجردة، مهما بلغت دقتها الإحصائية.
أرقام تضع الأسئلة أكثر مما تقدم الأجوبة
وبالنظر إلى المعطيات التفصيلية، يتضح أن موقع المغرب في هذا المؤشر لا يمكن قراءته باعتباره حكماً نهائياً، بقدر ما يعكس صورة مركبة لوضع سياسي انتخابي مصنف ضمن “المناطق المتوسطة الحساسية” عالمياً، مع مؤشرات فرعية مرتفعة خصوصاً في مستويات العنف المتوسط واحتمالات التوتر.
وفي المحصلة، يطرح هذا التصنيف أكثر مما يجيب، إذ يضع التجربة الانتخابية المغربية أمام أسئلة تتعلق بمدى صلابة البيئة السياسية خلال فترات الاستحقاقات، وقدرة المؤسسات على احتواء التوترات المحتملة، وتحويل المؤشرات الرقمية من لغة إنذار إحصائي إلى فرصة لتعزيز الوقاية السياسية والمؤسساتية بدل الاكتفاء بقراءتها كأرقام جامدة.





