‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

تعثر منصة وكالات التصويت يربك مغاربة العالم عشية الاقتراع.. حين تصطدم رقمنة المشاركة بعقبة تقنية

كش بريس/خاص ـ

قبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع لانتخابات مجلس النواب، وجد عدد من المغاربة المقيمين بالخارج أنفسهم أمام عائق لم يكن في الحسبان: صعوبات تقنية أثناء محاولة استكمال وكالات التصويت إلكترونياً، في وقت كانت فيه المهلة القانونية لإنجاز هذه العملية تقترب من نهايتها.

وأفاد أفراد من الجالية المغربية بالخارج بوجود إكراهات تقنية حالت، في بعض الحالات، دون إتمام المسطرة رغم تكرار المحاولات، وهو ما فتح نقاشاً حول مدى انعكاس هذه الصعوبات على قدرة المعنيين على ممارسة حقهم الانتخابي، خصوصاً أن المنصة الإلكترونية أغلقت أبوابها عند منتصف نهار الثلاثاء 22 شتنبر، أي قبل يوم واحد فقط من موعد الاقتراع.

المسألة هنا تتجاوز حدود تجربة رقمية لم تنجح لدى بعض المستخدمين. فالوكالة هي، وفق الإطار الانتخابي الجاري، الآلية التي تتيح للمغربي المقيم خارج المملكة والمقيد في اللوائح الانتخابية أن يصوت من خلال ناخب يختاره داخل التراب الوطني. وقد أطلقت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، بتنسيق مع وزارة الداخلية، منصة E-Procuration بهدف تبسيط هذه العملية ورقمنتها.

وبحسب المعطيات الرسمية، كان بإمكان الناخب المقيم بالخارج الولوج إلى المنصة عبر موقعي elections.ma وlisteselectorales.ma، وإدخال بياناته الشخصية والانتخابية، بما في ذلك الاسم ورقم البطاقة الوطنية ورقم التسجيل في اللوائح الانتخابية والدائرة أو الجماعة المسجل بها، ثم إدراج بيانات الوكيل والمصادقة على الوكالة إلكترونياً. وبعد إتمام العملية، يتعين تحميل نسخة من الوكالة وإرسالها إلى الوكيل حتى يتمكن من الإدلاء بها يوم الاقتراع.

وتفرض المسطرة كذلك قيوداً تنظيمية على الوكالة؛ إذ لا يجوز أن يكون الناخب نفسه وكيلاً لأكثر من مغربي مقيم بالخارج. كما أن طريقة تصويت الوكيل تختلف بحسب انتمائه إلى مكتب التصويت نفسه الذي ينتمي إليه الموكل أو إلى مكتب آخر، مع ضرورة الإدلاء بالوكالة والوثائق المحددة قانوناً.

لكن الرقمنة لا تلغي المشكلة السياسية الكامنة وراء الآلية.

فمنذ سنوات، ظل موضوع مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات محاطاً بنقاش دستوري وسياسي وحقوقي متواصل، إذ ينص الفصل 17 من الدستور على تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح. ومع ذلك، ما تزال الانتخابات التشريعية الحالية تعتمد بالنسبة إليهم نظام التصويت بالوكالة، بدلاً من فتح اقتراع مباشر في بلدان الإقامة. وقد أعاد هذا الوضع إلى الواجهة مطالب بتفعيل المشاركة المباشرة وإحداث دوائر انتخابية بالخارج أو اعتماد صيغ تمثيلية خاصة.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح: الدولة انتقلت من وكالة ورقية إلى وكالة رقمية، لكنها لم تنتقل بعد إلى التصويت المباشر لمغاربة العالم من أماكن إقامتهم. ولذلك فإن المنصة الإلكترونية، مهما بلغت درجة تبسيطها للمسطرة، تعالج جانباً إجرائياً من المشكلة ولا تحسم النقاش المتعلق بشكل المشاركة السياسية ذاتها.

كما أن توقيت الأعطاب المبلغ عنها يكتسي أهمية خاصة. فحين تكون الخدمة الرقمية مرتبطة باستحقاق انتخابي ذي موعد نهائي صارم، لا يصبح العطل مجرد إزعاج تقني؛ فقد يتحول إلى عائق فعلي أمام ممارسة حق انتخابي إذا أدى إلى انقضاء الأجل دون استكمال الوكالة. ومن ثم تبرز الحاجة، من منظور تدبير الانتخابات، إلى التمييز بين مشكلتين: هل يتعلق الأمر بحالات فردية مرتبطة بظروف الولوج أو إدخال البيانات، أم بخلل تقني أوسع في المنصة؟ وهل تم توفير قنوات بديلة أو آليات لمعالجة الحالات التي تعذر عليها إتمام المسطرة إلكترونياً؟

وحتى الآن، لا تكفي الشكايات المتداولة وحدها للقول بوجود عطل عام أو خلل شامل في المنصة؛ فهي تثبت وجود حالات أبلغ أصحابها عن صعوبات، لكنها لا توفر، في حد ذاتها، مؤشراً إحصائياً على حجم المتضررين أو عدد الوكالات التي تعذر تسجيلها. وهذه نقطة أساسية في التغطية الصحفية، لأن تحويل تجارب فردية إلى حكم شامل على أداء المنصة يحتاج إلى بيانات رسمية أو تقنية قابلة للتحقق.

غير أن أهمية القضية لا تتوقف على حجم الخلل. فالمشاركة الانتخابية لمغاربة العالم تكتسب وزناً خاصاً بالنظر إلى حجم الجالية المغربية وانتشارها في عدد كبير من بلدان الإقامة، وإلى استمرار النقاش حول موقعها في الحياة السياسية الوطنية. وقد سجلت تغطيات إعلامية حديثة استمرار المطالب بتمكين هذه الفئة من ممارسة حقها الانتخابي بصورة مباشرة، بدل الاقتصار على نظام الوكالة.

وفي المقابل، تكشف تجربة هذه الانتخابات عن محاولة مؤسساتية لتقليص الكلفة الإدارية للوكالة وتسهيل إنجازها عن بعد. كما أن وجود حالات موثقة لإنجاز الوكالة إلكترونياً، من بينها تصويت السفير المغربي لدى الولايات المتحدة بالوكالة من واشنطن عشية الاقتراع، يؤكد أن المسطرة الرقمية كانت قابلة للتنفيذ عملياً، مع بقاء السؤال مفتوحاً حول مدى انتظامها بالنسبة إلى جميع المستخدمين.

المشكلة، في النهاية، ليست في كون الدولة استخدمت التكنولوجيا لتسهيل الوكالة؛ بل في أن التكنولوجيا الانتخابية لا تصبح أداة لتوسيع المشاركة إلا عندما تكون متاحة وموثوقة وقابلة للاستخدام في الوقت المحدد، وعندما تكون مصحوبة بضمانات عملية تتيح معالجة الأعطاب قبل أن تتحول إلى حرمان من ممارسة الحق.

ولهذا فإن ما حدث عشية انتخابات 23 شتنبر يطرح سؤالاً يتجاوز المنصة نفسها: هل تستطيع الرقمنة أن تجعل المشاركة السياسية أكثر يسراً، أم أنها قد تنقل العوائق القديمة من الإدارة الورقية إلى الواجهة الرقمية؟

الإجابة لن تُستخلص من عدد الشكايات وحده، وإنما من حجم الوكالات المنجزة فعلياً، وعدد الطلبات التي تعذر إتمامها، وطبيعة الأعطاب المسجلة، ومدى تدخل الجهات المختصة لمعالجتها. فالمعيار الحقيقي لأي خدمة انتخابية رقمية لا يكمن في إطلاقها، وإنما في قدرتها على ضمان وصول الناخب إلى حقه دون أن يتحول العائق التقني إلى عائق انتخابي.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button