
كش بريس/التحرير ـ
طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والتنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان في المغرب بفتح تحقيق مستقل وشامل في الأحداث التي شهدتها سبتة ومليلية أيام 30 و31 يوليوز وفاتح غشت 2026، داعيتين إلى تحديد المسؤوليات المرتبطة بالضحايا والمفقودين وظروف التعامل مع المهاجرين، ولا سيما القاصرين.
وجاءت هذه المطالب خلال ندوة صحافية نظمتها التنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان في المغرب، التي تضم 17 جمعية مغربية بمختلف البلدان الأوروبية، بشراكة مع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يوم 7 غشت الجاري، بمشاركة وسائل إعلام مغربية وإسبانية وفرنسية.
واعتبر المنظمان أن الأحداث الأخيرة تتجاوز، في تقديرهما، إطار أزمة هجرة عابرة، وتكشف عن أزمة اجتماعية وحقوقية وإنسانية أعمق، منتقدين في الوقت ذاته تدبير المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي لملف الهجرة.
وقالت الهيئتان إن حجم المشاركة في محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية، والذي شمل شباباً وقاصرين وأسرًا، يعكس، بحسب تقديرهما، حالة من اليأس الاجتماعي وانسداد الأفق لدى فئات من الشباب المغربي، معتبرتين أن التركيز على المقاربة الأمنية وشبكات التهريب لا يجيب عن السؤال المتعلق بالأسباب التي دفعت أعداداً كبيرة من المواطنين إلى المخاطرة بحياتهم.
وربطت الجمعيتان هذه الظاهرة بما وصفتهما بالأزمة الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، من بطالة وفقر وتهميش وارتفاع في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وضعف الخدمات العمومية، إلى جانب ما اعتبرتاه مظاهر للريع والفساد واختلالات في العدالة الاجتماعية.
واستحضرت الهيئتان في هذا السياق موجات احتجاجية عرفها المغرب خلال السنوات الماضية، من حركة 20 فبراير وحراك الريف واحتجاجات جرادة ومسيرات العطش، وصولاً إلى الاحتجاجات المرتبطة بما يعرف بجيل «زد»، معتبرتين أن المقاربة الأمنية التي اعتمدت في التعامل مع عدد من هذه الاحتجاجات لم تعالج، في تقديرهما، أسبابها الاجتماعية والاقتصادية.
مسؤولية الدولة المغربية
وحمّلت الجمعيتان الدولة المغربية مسؤولية أساسية في حماية حياة المواطنين وسلامتهم، متسائلتين عن كيفية حدوث حركة جماعية بهذا الحجم من دون اتخاذ تدابير وقائية وإنسانية تحول دون وقوع خسائر في الأرواح.
وأشارتا إلى اختلاف الأرقام المتداولة بشأن حجم المشاركين في الأحداث؛ إذ تحدثت وزارة الداخلية المغربية، وفق البلاغ، عن نحو 40 ألف شخص، بينما أشار وزير الداخلية الإسباني إلى قرابة 72 ألفاً، معتبرتين أن تفاوت التقديرات لا يغير، في نظرهما، من استثنائية حجم الحدث.
وقالت الهيئتان إن المعطيات الرسمية والإعلامية والحقوقية المتاحة تتحدث عن وفاة 141 شخصاً على الأقل، فضلاً عن مفقودين وجرحى، مطالبتين بتسريع عمليات تحديد هوية الضحايا والكشف عن مصير الأشخاص الذين ما تزال عائلاتهم تجهل أماكن وجودهم.
وانتقدت الجمعيتان ما وصفتاه بضعف التواصل الرسمي مع عائلات المفقودين، ودعتا إلى توفير مواكبة صحية ونفسية واجتماعية للأشخاص الذين أعيدوا إلى المغرب.
كما اعترضتا على حصر التعامل مع الأحداث في الجانب الأمني والقضائي، معتبرتين أن توقيف ومتابعة الأشخاص، وبينهم قاصرون، لا يمكن أن يشكل معالجة للأسباب التي تقف وراء ظاهرة النزوح الجماعي.
القاصرون في صلب المخاوف الحقوقية
وأفردت الندوة جانباً من مداخلاتها لوضعية القاصرين، حيث تحدث المنظمان عن وجود أكثر من 1100 قاصر في سبتة، ونحو 320 قاصراً في مركز حماية الطفولة بمليلية، إلى جانب قاصرين تمت متابعتهم قضائياً في المغرب.
وأكدت الجمعيتان أن حماية الأطفال والقاصرين ينبغي أن تخضع لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل، رافضتين إخضاع هذه الفئة لمقاربات أمنية أو قضائية لا تراعي وضعها القانوني والإنساني.
كما وضعتا مسألة الوفيات في صلب المسؤولية المتعلقة بالحق في الحياة، مطالبتين باتخاذ تدابير وقائية قبل وقوع الكوارث، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد حدوثها.
انتقادات للسياسة الأوروبية
وفي المقابل، حمّلت الهيئتان إسبانيا والاتحاد الأوروبي جزءاً من المسؤولية عن تداعيات سياسة الهجرة المعتمدة على تشديد مراقبة الحدود الخارجية.
واعتبرتا أن الاتحاد الأوروبي عمل، خلال السنوات الماضية، على إسناد جانب كبير من مراقبة حدوده الخارجية إلى دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب، محذرتين من اختزال التعاون في مجال الهجرة في التعاون الأمني والحدودي.
كما طالبتا إسبانيا باحترام حقوق المهاجرين والقاصرين، خصوصاً فيما يتعلق بظروف الاستقبال وإجراءات العودة، ورفضتا استخدام ملف الهجرة أداة للضغط السياسي أو الدبلوماسي بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
وانتقدت الهيئتان كذلك غياب مسارات آمنة وقانونية للهجرة، معتبرتين أن تشديد القيود الحدودية من دون توفير بدائل قانونية يساهم في دفع المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة.
انتقاد للرواية الأمنية
ووجهت الجمعيتان انتقادات للخطاب الرسمي الذي ركز، بحسب تقديرهما، على شبكات التهريب والتوقيفات والمتابعات القضائية، معتبرتين أن هذا المنظور يتعامل مع نتائج الأزمة أكثر مما يتناول أسبابها.
وقالتا إن تفسير الأحداث من خلال شبكات التهريب أو فرضيات التدخل الخارجي لا ينبغي أن يحجب، في نظرهما، العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض المواطنين إلى محاولة مغادرة البلاد، وفي مقدمتها البطالة والتهميش والفقر وتراجع الثقة في المؤسسات.
كما اعتبرتا أن نقص المعلومات الدقيقة بشأن الضحايا والمفقودين، وتأخر التواصل مع الأسر، زادا من حالة القلق التي خلفتها الأحداث.
مطالب بفتح تحقيق وإعادة النظر في سياسة الهجرة
وخلصت الندوة إلى حزمة من المطالب، في مقدمتها فتح تحقيق مستقل وشفاف وشامل في أحداث سبتة ومليلية، وتحديد المسؤوليات ونشر النتائج أمام الرأي العام.
كما طالبت الهيئتان بضمان حق الأسر في معرفة مصير أبنائها، وتسريع تحديد هوية المتوفين والمفقودين وتسليم جثامين الضحايا إلى ذويهم، إلى جانب حماية القاصرين ومراعاة مصلحتهم الفضلى.
ودعتا كذلك إلى مراجعة المتابعات القضائية المرتبطة بالأحداث، بما يضمن احترام شروط المحاكمة العادلة، فضلاً عن اعتماد سياسة مغربية للهجرة تقوم على حقوق الإنسان والكرامة، وعدم الاقتصار على المقاربة الأمنية.
وعلى المستوى الأوروبي، طالبتا الاتحاد الأوروبي وإسبانيا بإعادة النظر في سياسات الهجرة والحدود، ورفض تحويل المغرب إلى مجرد أداة لحماية الحدود الأوروبية، والدفع نحو تعاون تعتبر فيه حقوق الإنسان عنصراً أساسياً في تدبير ملف الهجرة.
كما دعتا إلى حماية أفراد الجالية المغربية في أوروبا من العنصرية والتمييز وخطابات الكراهية، في ظل ما وصفتهما بتنامي حضور اليمين المتطرف في عدد من البلدان الأوروبية.
«أزمة اجتماعية وسياسية تتجاوز الهجرة»
واعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والتنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان في المغرب أن أحداث سبتة ومليلية تمثل، في قراءتهما، مؤشراً على أزمة اجتماعية وسياسية وحقوقية تتجاوز مسألة الهجرة في بعدها الأمني.
ودعت الهيئتان إلى معالجة ما تعتبرانه جذور الظاهرة عبر سياسات اقتصادية واجتماعية تستهدف البطالة والفقر والتهميش والفساد والريع، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات وتوفير شروط حياة كريمة للشباب.
كما حملتا المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي مسؤوليات، كلٌّ بحسب موقعه، في حماية حياة المهاجرين وكرامتهم وحقوقهم، مؤكدة أن المقاربة الأمنية وحدها لا يمكن أن تشكل حلاً مستداماً لأزمات الهجرة والنزوح.
وتأتي هذه الندوة في سياق استمرار الجدل الحقوقي والسياسي حول أحداث سبتة ومليلية، وما خلفته من ضحايا ومفقودين وتساؤلات بشأن ظروف العبور والتدخلات الأمنية والتعامل مع القاصرين، في وقت تتباين فيه المعطيات بشأن حجم المشاركين والخسائر البشرية وظروف وقوع الأحداث.



