
للوهلة الأولى، يبدو أن ثمة اختلافاً وتباعداً بين مفهومي العدالة والحرية، وأن لكل منهما مرجعيته وأبعاده ووظائفه. فالعدالة تحيل على مرجعية ذات دلالة قيمية، في حين تؤشر الحرية إلى مفهوم فلسفي وسياسي. ففي الحقيقة عاش الفكر البشري، وما زال يعيش وإن بدرجة أخف، تناظراً بين قيمة العدالة ومعطى الحرية، والحال أن السؤال الرئيس هو كيف تستقيم وتتوطد الحرية في حياتنا الجماعية من دون أن تفقد صفة العدل أو العدالة فيها؟ أو بمعنى أوضح كيف يمكن للمجتمعات التمتع بمكاسب الحرية من دون الإضرار بثمرات العدالة؟
يقدم التطور الحديث للفكر السياسي البشري نماذج من النقاشات التي سعت إلى صياغة أجوبة عن السؤال أعلاه. والواقع أنها نقاشات غير مفصولة عن تطور المنظومة الليبرالية، حيث ترسخت الحرية، ووقع اختبارُها وتمثلُها. ويمكن القول، في هذا الصدد، إن مفهوم الحرية مَدين بالكثير للأزمنة الحديثة، أي للنظام المعرفي، كما تشكل مع مطلع القرن الخامس عشر، حيث شهد تحولاً إبيستيمياً لافتاً نقله من التجريد إلى التشخيص والتحديد، لم تعد كلمة هُلاميةً، بل غدت معطى قانونياً وسوسيولوجياً، يتمثل في حرية القرار، وحرية الإرادة، وحرية الاختيار، أي ما يُسمى في متن تاريخ الفلسفة “حرية الضمير” (Libre Arbitre).
وقد عززت كتابات “ديكارت” و”كنط” هذا المنحى المفهومي الجديد للحرية القائم تحديداً على وجوب الفصل الكامل بين الطبيعة والإنسان، وقد أسهم هذا الانتقال في إطلاق عُقال الحرية لتصل درجة من الغلو على صعيد الإدراك والممارسة فتحت أعين الناس وأقنعتهم بأنها ليست قيمة في ذاتها، وأنها في حاجة إلى التنظيم والترشيد لبلوغ الكفايات لبلوغ الكفايات، وحفزتهم على الاجتهاد في نحت مفاهيم من شأنها الموازنة بين منافع الحرية ومثالبها على الأفراد والمجتمع، فكانت حركة إعادة اكتشاف مفاهيم العدل والعدالة والإنصاف والتوازن والتكافؤ، وما إلى ذلك من المصطلحات والكلمات التي تم تقديرُ قيمتها المعرفية في رسم حدود جديدة للحرية.
نهضَت حركة نقد الحرية على منهجية نقد أسس الأيديولوجيا الليبرالية لحظة وصولها درجة الغلو، أي ما سمي “الليبرالية المُستفحِلة أو المتوحشة”، التي جعلت الفرد مركزَ كل شيء، فأطلقَت العنان لحرياته ومبادراته، ونادَت بتقليص سلطة الدولة وتحجيم مجالات تدخلها إلى ما يعجز الأفراد عن القيام به، وتحييد دورها تجاه المعتقدات والقيم، أي تجاه ثقافة المجتمع، أو ما أسماه “ماكس فيبر” تعددية القيم (Polythéisme des valeurs). ففي المُحصلة، تطورت الحرية في هذا السياق من حرية معتدلة ومتوازنة إلى حرية شرسة ومتوحشة تسمح للقوى بالتهام الضعيف باسم القانون والمشروعية.
وقد قدم لنا الربع الأخير من القرن العشرين نماذج من السياسات التي نهلت من معين “الليبرالية المتوحشة”، كما كان الحال في عهد كل من رونالد ريغان، ومارغريت تاتشر. لذلك، برزت الحاجة الماسة إلى إعادة بلورة مفهوم الحرية، وتطعيمها بأقساط من العدالة الاجتماعية، فكانت نظرية “جون رولز” (1921 2002) حول “العدالة التوزيعية”، أي العدالة كإنصاف (Equité). فهكذا، تكمن قوة الاجتهاد الجديد في الدعوة إلى استعاضة “العدالة التوازنية” (justice commutative)، القائمة على عدالة التبادلات الاقتصادية بـ”عدالة توزيعية” (Justice distributive)، تسمح بإقرار مبدأ تساوي الحظوظ بين الأفراد والجماعات، وتوفر شروط تطوير قدرات الناس، بما يخدم المجتمع ويحقق استقراره وسعادته.
وفي الواقع شكلت نظرية “رولز” في العدالة التوزيعية أفقاً نظرياً وفكرياً على درجة بالغة الأهمية. فقد أتاحت للمنظومة الليبرالية، من جهة، فرصة إعادة تجديد ذاتها، وأمدّت، من جهة أخرى، بعض الحركات السياسية بزاد نظري وفكري مكّنها من إعادة تأكيد استراتيجية الحرية دون التسامح في التشديد على ترشيد غُلوها ووحشيتها على صعيد التطبيق والممارسة.
تكمن القيمة المعرفية في إبراز نظرية “جون رولز” في سعي صاحبها إلى التوفيق بين الحرية والعدالة، وإجهاده من أجل نزع سمات التطرف عن الحرية، حجته في ذلك أن الحرية حين تُترك لحالها تخلق تفاوتاً اجتماعيا، قد يصل مع التطور درجة الانقسام الاجتماعي المستعصي على الحل، أو في أدنى الحالات، غير القابل للتدبير الرشيد. ومن هنا تصبح الحرية، من حيث أبعادُها ومقاصدُها.. مُدمرة لذاتها، أي متناقضة مع أسباب ميلادها.
ومن اللافت أن “رولز” لا يفهم العدالة في بعدها المطلق، بل في دلالاتها النسبية، فهي أولا وقبل كل شيء مطالبة بالإنصاف، الذي يأخذ هنا معنى التكافؤ في الاستفادة من خيرات المجتمع وثماره. فالبشر غير متساوين كأسنان المشط الواحد، غير أنهم متكافئون، من حيث فرص الارتقاء، والترقي، والتدرج في مراتب التعلم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، وما إلى ذلك من المتطلبات التي تجعل منهم بشراً ليس إلا. فحين تطعم الحرية بهذه المعاني، يُنزع عن وجهها قناع التوحش، وتصبح أكثر أنسنة، فتحظى تاليا بشرعية القبول.
وفي الواقع، حين ننظر إلى عمق الصراعات داخل الأوطان وفي ما بينها، تصدمنا حقيقة التفاوتات الناجمة عن ضعف أو غياب العدالة التوزيعية بالمعنى الذي اجتهد في صياغته “جون رولز”.. فمما تتداوله الأدبيات الدولية ذات الصلة بالموضوع، أن 80 في المئة من الثروة في العالم في يد قلة، ربما لا تصل إلى 20 في المئة، في حين يعيش السواد الأعظم من الدول والمجتمعات على قدر محدود وشحيح من الموارد.
والصورة تبدو أكثر قتامة أحيانا حين نمعن النظر في واقع التفاوت داخل الأقطار نفسها، ولا سيما البلدان التي إما انعدمت فيها ثقافة الحكامة الجيدة في التسيير والتدبير، أو لم ترتق بعد إلى درجة الترسخ والاستقامة والانتشار. فالعدالة بلسم الحرية بامتياز، والحرية لازمة للعدالة ومكملة لها، لأن في الحرية يكتشف الإنسان حاجاته، ويعبر عن متطلباته. ومن هنا تبدو العلاقة التلازمية بين المفهومين.





