‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

سانشيز يبرّئ المغرب من أزمة سبتة ويفتح جبهة «التضليل الرقمي».. موسكو وتل أبيب في دائرة الاتهام

كش بريس/التحرير ـ

في الوقت الذي تحولت فيه أزمة سبتة إلى ورقة سياسية تستخدمها المعارضة الإسبانية للضغط على حكومة بيدرو سانشيز، اختار رئيس الحكومة الإسبانية الذهاب في اتجاه معاكس للرواية التي تحمل المغرب مسؤولية ما جرى، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في بلاده لا تتوفر على أي معطيات تثبت تورط الرباط في موجة الاقتحام الجماعي التي شهدتها المدينة.

وبدل تحميل المغرب مسؤولية الأزمة، نقل سانشيز النقاش إلى مستوى آخر، متحدثاً عن دور محتمل لشبكات التضليل الرقمي في تأجيج أزمة الهجرة والتأثير في قرارات المهاجرين، ومشيراً للمرة الأولى بصورة مباشرة إلى حسابات ومنصات قال إنها مرتبطة بروسيا وإسرائيل، فضلاً عن شبكات دولية من اليمين المتطرف.

ويأتي هذا التحول في الخطاب الرسمي الإسباني في ظرف سياسي بالغ الحساسية، إذ تستعد حكومة مدريد لمواجهة ضغط برلماني تقوده قوى اليمين، التي جعلت من أحداث سبتة دليلاً على ما تصفه بمحاولة مغربية لاستغلال ملف الهجرة والضغط على إسبانيا. وفي المقابل، يسعى سانشيز إلى تثبيت رواية رسمية مختلفة تقوم على غياب أي دليل أمني على تورط المغرب، وربط الأزمة بتشابك عوامل قضائية وأمنية ورقمية وجيوسياسية.

ومن شأن هذا الموقف أن يعيد فتح النقاش حول طبيعة أزمة سبتة: هل يتعلق الأمر بعملية هجرة جماعية غذتها شبكات إجرامية ومعلومات مضللة، أم أن وراءها حسابات سياسية تتجاوز حركة المهاجرين نفسها؟ وهو سؤال يزداد تعقيداً مع دخول العامل الرقمي والصراع الجيوسياسي على خط واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.

وقال سانشيز، في مقابلة مع إذاعة «كادينا سير» بثت اليوم الاثنين، إن السلطات المغربية بادرت منذ 30 يوليوز إلى عرض «تعاون فوري» على إسبانيا للمساعدة في احتواء الأزمة، مؤكداً أن غياب هذا التعاون كان سيجعل السيطرة على الوضع أكثر صعوبة.

وشدد رئيس الحكومة الإسبانية على أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في بلاده لم تقدم، وفق ما يتوفر لديها من معلومات، أي مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بوجود دور مغربي في تنظيم الاقتحام الجماعي. وأضاف أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد العوامل التي أدت إلى تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين نحو سبتة.

وكانت المدينة قد شهدت، نهاية يوليوز، موجة دخول جماعي للمهاجرين، في أزمة خلفت وفاة 141 شخصاً غرقاً، وفق المعطيات الواردة بشأن الحادث، وحولت ملف الهجرة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي الإسباني، بعدما تصاعدت مطالب المعارضة بإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

حكم قضائي فتح نقاشاً جديداً حول الهجرة

وتتقاطع تصريحات سانشيز مع جدل قانوني وسياسي متنامٍ أعقب قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر مطلع يوليوز، والقاضي بعدم جواز إعادة المهاجرين بصورة فورية إلى المغرب إذا تمكنوا من الوصول سباحة إلى شواطئ سبتة أو مليلية، ما يعني إخضاعهم للإجراءات القانونية المنصوص عليها في التشريعات الإسبانية.

ويرى خبراء أن هذا التطور القضائي قد يكون أحد العناصر التي أعادت تشكيل حسابات شبكات الهجرة غير النظامية، بعدما أصبحت إمكانية الإعادة الفورية أقل وضوحاً، وهو ما قد تكون الشبكات الإجرامية قد استغلته في توجيه المهاجرين نحو المدينتين.

غير أن رئيس الحكومة الإسبانية يضع هذا العامل ضمن سياق أوسع، يرتبط بما وصفه بانتشار الأخبار الكاذبة والمحتويات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي يمكن أن تؤثر في قرارات المهاجرين وتدفعهم إلى الاعتقاد بوجود فرص جديدة للوصول إلى الأراضي الإسبانية.

سانشيز يفتح ملف «الحرب المعلوماتية»

وفي أكثر تصريحاته إثارة للجدل، تحدث سانشيز عن وجود شبكات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي قال إنها «مرتبطة بروسيا وإسرائيل»، إلى جانب ما وصفه بـ«جماعة دولية من اليمين المتطرف» تستثمر سياسياً في قضية الهجرة، ليس فقط لاستهداف إسبانيا وإنما أوروبا أيضاً.

ويحمل هذا الاتهام دلالة سياسية تتجاوز أزمة سبتة، إذ يضع ملف الهجرة ضمن ما يشبه ساحة للصراع المعلوماتي والجيوسياسي، حيث يمكن للأخبار المضللة أن تتحول إلى أداة للتأثير في الرأي العام وصناعة تصورات سياسية وأمنية تتجاوز الوقائع الميدانية.

ويربط السياق السياسي الإسباني بين الإشارة إلى روسيا وبين التوتر القائم بين موسكو ومدريد وبروكسل على خلفية الحرب في أوكرانيا، فيما تأتي الإشارة إلى إسرائيل في ظل الخلاف المتزايد بين حكومة سانشيز والحكومة الإسرائيلية بشأن الحرب في غزة والموقف الإسباني من القضية الفلسطينية.

وكانت أوساط سياسية وإعلامية إسبانية قد تحدثت في مناسبات سابقة عن احتمال وجود حملات تأثير مرتبطة بإسرائيل، غير أن إدراج روسيا إلى جانبها يمثل تطوراً لافتاً في الخطاب الرسمي لرئيس الحكومة الإسبانية.

المعارضة في مواجهة رواية حكومية مختلفة

وتأتي تصريحات سانشيز قبل مثوله أمام البرلمان الإسباني هذا الأسبوع، حيث ينتظر أن يواجه ضغوطاً سياسية قوية من الحزب الشعبي، ممثل اليمين المحافظ، وحزب «فوكس» اليميني المتطرف، اللذين حمّلا المغرب مسؤولية ما يعتبرانه محاولة منظمة لاقتحام سبتة.

وتقوم الرواية التي تدفع بها أطراف في المعارضة على فرضية أن التدفق الجماعي للمهاجرين لم يكن مجرد نتيجة لتحركات فردية أو نشاط لشبكات الهجرة غير النظامية، وإنما يحمل أبعاداً سياسية وأمنية مرتبطة بالعلاقات المغربية الإسبانية.

غير أن موقف سانشيز يذهب في اتجاه معاكس، إذ يستبعد وجود دليل أمني أو استخباراتي على تورط المغرب، ويشير بدلاً من ذلك إلى تفاعل مجموعة من العوامل، من بينها حكم المحكمة العليا، ونشاط الشبكات الإجرامية، وحملات التضليل الرقمي، فضلاً عن التأثير المحتمل للصراعات الجيوسياسية على الخطاب المتعلق بالهجرة.

ويكشف هذا التباين عن انتقال أزمة سبتة من مجرد ملف أمني وإنساني إلى اختبار سياسي للعلاقات المغربية الإسبانية، وساحة للصراع بين الرواية الحكومية وروايات المعارضة، فضلاً عن كونها نموذجاً متقدماً لكيف يمكن للمعلومة الرقمية المضللة أن تتداخل مع الهجرة وتتحول إلى عنصر مؤثر في السلوك الجماعي وفي صناعة القرار السياسي.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button