‏12 ‏جهة‏آخر المستجداتأ‏حداث

فلاحو زمران الشرقية يجددون احتجاجهم على تدبير مياه السقي.. «إذا كانت الشكايات لا تصل، فأين يلتجئ الفلاحون؟»

كش بريس/التحرير ـ

بعدما أثار موقعنا، في مقال سابق، قضية الاختلالات التي يقول فلاحون إنها تطال تدبير مياه السقي بمنطقة زمران الشرقية بإقليم قلعة السراغنة، تعود شكاية جديدة من دوار أولاد معزوز لتضع الملف مجدداً أمام المصالح المسؤولة، وتطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: إذا كان الفلاح يشتكي، وتتم المعاينة، وتُرفع المطالب، ثم يستمر الخلل، فأين يلتجئ حين لا يجد صوته طريقاً إلى الحل؟

وتوصل موقعنا بشكاية تقدم بها الفلاح عبد العزيز العروم إلى المصالح المكلفة بالري وإصلاح قنوات السقي، يطالب فيها بتدخل عاجل لمعالجة وضعية تقنية يقول إنها تحرمه من الاستفادة الفعلية والمنتظمة من حصته المائية، رغم استفادة المنطقة من مشروع لتجهيز شبكة السقي بالقنوات المدفونة.

وبحسب مضمون الشكاية، فإن الإشكال يبدأ من نقطة تفريغ مياه السقي، التي يقول المشتكي إنها وضعت في موقع لا يضمن وصول المياه بسهولة إلى قناة السقي الترابية المؤدية إلى الأراضي الفلاحية، فضلاً عن وجود قنطرة وصفها بغير الصالحة للاستعمال، بسبب امتلائها بالأتربة والأحجار.

والنتيجة، وفق روايته، أن المياه لا تصل إلى الضيعة في الوقت المحدد، أو تفقد جزءاً مهماً من مدة الاستفادة قبل بلوغها الأرض المستهدفة.

ولم يجد المشتكي، بحسب الشكاية، سوى حلول بدائية ومؤقتة لتجاوز ما يعتبره خللاً في البنية التحتية، من بينها استعمال أنبوب بلاستيكي وربطه مباشرة بمخرج المياه، في محاولة لضمان وصول حصته قبل انتهاء المدة المخصصة له.

الأكثر إثارة للقلق أن الشكاية تشير إلى أن الوضع سبق أن تمت معاينته من طرف مسؤول فلاحي، كما أن المشتكي سبق أن تقدم بطلب إلى المصالح المعنية، غير أن المشكلة، وفق إفادته، ظلت قائمة إلى حدود دورة المياه الجديدة لشهر غشت.

19 دقيقة من الماء.. وكم دقيقة تضيع قبل أن يصل؟

تقول الشكاية إن المدة المخصصة للمشتكي لا تتجاوز 19 دقيقة، وهي مدة يرى أنها لا تسمح للمياه ببلوغ أرضه في الوقت المناسب، ما يجعل جزءاً من حصته يضيع عملياً قبل أن تصل المياه إلى المكان الذي يفترض أن تستفيد منه.

وهنا لا يعود السؤال تقنياً فقط.

فحين تكون حصة الفلاح محددة بالدقائق، يصبح كل خلل في القناة أو نقطة التفريغ أو مسار المياه اقتطاعاً فعلياً من حقه في الاستفادة. وفي منطقة تعاني أصلاً من ضغط الجفاف وتراجع الموارد المائية، فإن ضياع دقائق من السقي قد يعني ضياع جزء من محصول أو تعريض أشجار ومزروعات لمزيد من الإجهاد.

والأخطر أن الفلاح يجد نفسه مطالباً بالتكيف مع خلل يفترض أن تكون مهمة المرفق المكلف بالري هي معالجته.

اتهامات خطيرة تستوجب التحقيق.. لا التجاهل

ولا تقف الشكاية عند حدود الأعطاب التقنية، إذ تتضمن أيضاً ادعاءات بشأن طريقة تدبير حصص السقي وساعات الاستفادة، حيث يتحدث المشتكي عن استفادة الجهة المكلفة بتنظيم دورة المياه من مدة تصل إلى 18 ساعة، ويتهمها ببيع جزء من هذه الحصة.

هذه ادعاءات خطيرة لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة، كما لا يجوز، في المقابل، دفنها داخل ملف شكاية فردية دون تحقق. فهي تحتاج إلى معاينة ميدانية وافتحاص واضح ومستقل لسجلات توزيع المياه والحصص والساعات، حتى يعرف الفلاحون قبل غيرهم حقيقة ما يجري، ومن يتحمل المسؤولية إن ثبت وجود مخالفات.

فإذا كانت الادعاءات غير صحيحة، فإن التحقيق وحده كفيل بتبديدها؛ وإذا ثبتت صحتها، فإن السكوت عنها يصبح أكثر خطورة من إثارتها.

زمران الشرقية.. شكايات تتكرر والماء يزداد ندرة

ولا تبدو الشكاية الجديدة معزولة عن سياق أوسع؛ فقد سبق لفلاحين من دوار أولاد معزوز وأولاد ناصر ومناطق أخرى بزمران الشرقية أن أثاروا مشاكل تتعلق بصيانة قنوات الري، وتدبير دورات المياه، وتحديد حصص الاستفادة، وطريقة إيصال المياه إلى الضيعات.

والمفارقة أن هذه المشاكل تظهر في منطقة لا تملك ترف الانتظار. فالفلاحون يواجهون آثار سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية، بينما يفترض أن تكون كل قطرة ماء محسوبة وكل دقيقة سقي موجهة إلى الأرض المستفيدة.

لذلك فإن استمرار أعطاب يمكن، بحسب الشكايات، تجاوزها بإصلاحات تقنية واضحة، أو استمرار الغموض حول طريقة تدبير حصص السقي، يطرح أكثر من مجرد إشكال إداري؛ إنه يمس العدالة في توزيع مورد حيوي يرتبط مباشرة ببقاء النشاط الفلاحي.

من يحاسب من؟ ومن يسمع الفلاح؟

المطلوب اليوم ليس مزيداً من المراسلات التي تنتقل من مكتب إلى آخر، ولا معاينات تنتهي في الأدراج، وإنما جواب مؤسساتي واضح.

من المسؤول عن إصلاح القنطرة وقناة السقي ونقطة التفريغ؟ ولماذا ظل الخلل قائماً رغم الإبلاغ عنه ومعاينته، وفق ما تضمنته الشكاية؟ وكيف يتم تحديد حصص الفلاحين؟ ومن يراقب احترامها؟ وهل توجد سجلات دقيقة يمكن الرجوع إليها للتحقق من ساعات الاستفادة؟ ومن يراقب أي عمليات محتملة لبيع أو تحويل حصص المياه؟

هذه الأسئلة لا تستهدف جهة بعينها، لكنها تستوجب أجوبة من الجهات التي تتحمل مسؤولية تدبير هذا المورد.

أما أن يبقى الفلاح مضطراً إلى تركيب أنبوب بلاستيكي بنفسه حتى يصل الماء إلى أرضه، بينما أنجزت مشاريع لتجهيز شبكة السقي، فذلك كفيل بفتح نقاش جدي حول جدوى الاستثمار في البنية التحتية إذا لم تواكبه صيانة فعالة وحكامة شفافة في التوزيع.

الزيتون في مواجهة العطش

وتزداد خطورة الوضع بالنسبة إلى أشجار الزيتون التي تشكل مورداً أساسياً لعدد من الأسر الفلاحية بالمنطقة. فالإجهاد المائي المتواصل يضع هذه الأشجار أمام مخاطر تراجع المردودية، بل وتضررها بشكل يصعب تداركه إذا استمر نقص المياه.

ولهذا يرى الفلاحون أن إصلاح شبكة السقي ليس مسألة تقنية ثانوية، وإنما جزء من حماية مصدر رزقهم والحفاظ على استثماراتهم الزراعية.

ومن غير المقبول، في ظل هذه الظروف، أن يتحول الخلل في قناة أو نقطة تفريغ إلى سبب إضافي لخسارة الفلاح لحصته المائية.

المطلوب الآن: افتحاص ميداني ومكاشفة

إن تكرار الشكايات من المنطقة يفرض، في تقديرنا، افتحاصاً ميدانياً شاملاً لمنظومة تدبير مياه السقي بزمران الشرقية، يشمل حالة القنوات ونقاط التفريغ والقناطر، وبرمجة دورات المياه، وآليات تحديد الحصص، وكيفية احتساب مدد الاستفادة، ومدى احترامها على أرض الواقع.

كما أن الادعاءات المتعلقة ببيع ساعات أو حصص المياه، أياً كان مصدرها، تستوجب التحقق المؤسساتي الجدي، لأن حماية الفلاح لا تكون بتجاهل شكواه، كما أن حماية سمعة المرفق العمومي لا تكون بترك الاتهامات معلقة دون تحقيق.

إن السؤال الذي تطرحه شكاية دوار أولاد معزوز يتجاوز صاحبه إلى عشرات الفلاحين: أين يلتجئ الفلاح إذا لم تجد شكايته طريقها إلى الحل؟ ومن يسمع صوته عندما تصبح المعاينة بلا نتيجة، والمراسلة بلا جواب، والانتظار نفسه جزءاً من المشكلة؟

المطلوب ليس امتيازاً لفلاح دون آخر، وإنما قاعدة بسيطة: الماء الذي خُصص للأرض يجب أن يصل إليها، والحصة التي حُددت للفلاح يجب أن يستفيد منها كاملة، وأي خلل أو شبهة في التدبير يجب أن تخضع للتحقق والمساءلة.

أما ترك الفلاح يواجه الجفاف، وخلل الشبكة، وغموض التوزيع، ثم مطالبته بالصمت، فذلك يعني عملياً أن الأزمة لم تعد أزمة ماء فقط، وإنما أصبحت أيضاً أزمة حكامة وثقة ومسؤولية.

ويبقى الحسم في الادعاءات الواردة في الشكاية من اختصاص المصالح والمؤسسات المعنية، عبر معاينة ميدانية والتحقق من الوقائع والوثائق، وتحديد مكامن الخلل والمسؤوليات، إن ثبتت، واتخاذ الإجراءات اللازمة بما يضمن عدالة توزيع مياه السقي ويحمي حقوق الفلاحين.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button