‏آخر المستجداتلحظة تفكير

عبد الله العلوي*: التقاعد ومعاش الأرملة في الضمان الاجتماعي

الدراسات حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قليلة، بل نادرة رغم أهمية هذه المؤسسة العمومية/الوطنية التي تأسست في 30 جمادى الثانية 1379  (1959-12-31) من طرف حكومة  الأستاذ عبد الله إبراهيم -1958-1960-، وهي ضمن المؤسسات والأهداف الاجتماعية/الاقتصادية لهذه الحكومة. وقد عرف ظهير الضمان الاجتماعي تغييرات على مر السنين، فضلا عن مراسيم مواكبة لتنفيذ بنوذه، ومن أهمها تعديل 15 جمادى الثانية 1392 (1972-07-27)، والقانون المشار إليه يتعلق بالعمال والعاملات في القطاع الخاص وميدان التطبيق بالنسبة له: التقاعد والتأمين الصحي والتعويضات العائلية والتعويضات عن الزمانة «الأمراض المزمنة أو الإعاقة» والتعويضات عن المرض أو الحوادث ورواتب المتوفى عنهم كالأرامل والأطفال القصر، وسنتكلم باختصار عن التقاعد قبل 2025 وبعده.

ونحن في هذا المقال لن نتحدث عن أهداف وبنود هذا القانون ككل، بل فقط بعض البنود خاصة التقاعد ومدد العمل نظرا لطبيعة المقال والنشر الحالي حتى لا نربك القارئ، ولنا عودة إلى باقي البنود إن شاء الله.

وقبل ذلك لا بد من الإشارة إلى كون أموال الصندوق تحال إلى صندوق الإيداع والتدبير وجوبا، وتحدد الحكومة مبلغ الفائدة عنها وعادة لا تتجاوز 3 أو 4% سنويا، وهي بالمناسبة أموال ضخمة، إذ أن عدد المسجلين الرسميين حوالي 4 أو 5 ملايين، في حين أن المؤقتين يتجاوزون هذا الرقم، ويتميزون بالعمل في مواسم أو لا يكملون المدة القانونية وهي حوالي 11 سنة من الأداءات أو 3240 يوم عمل حتى لو بلغوا سن التقاعد أو الشيخوخة كما يسمي القانون التقاعد، وليس فقط مصطلح “الشيخوخة” غير المُجَود والمقصود به التقاعد، فهذا القانون -مثلا- يطلق على الأرامل: الزوجات، فضلا عن تعديلات ونصوص غامضة مثلا “الشغال” أي الأجير وهي مشكلة تتعلق بالتجويد أي تجويد النصوص أو الكتابة بلغة أجنبية والسقوط في ترجمة سيئة.

ينص الباب السادس في صياغته القديمة من القانون على راتب الشيخوخة «التقاعد»، والذي يؤكد أن العامل والعاملة يحق لهم عند بلوغ سن الستين الاستفادة من راتب التقاعد بشرط أن يكونا قد أكملا مدة 3240 يوم/عمل، وقد استدرك المشرع في تعديلات أخرى مامضمونه أن الاجير الذي يبلغ 60 سنة يحق له الاستفادة من تعويض حتى ولو لم يكمل المدة:3240 يوم عمل “فله الحق في تعويض يساوي مجموع الاشتراكات المستحقة والمتعلقة بحصة الأجير”، وهو نص كان خطيرا وليس له أي هدف اجتماعي، فالمبلغ الذي أدى المشغل يستولي عليه الصندوق ويسلم الأجير فقط مبلغ أداءاته وهو 2%، فالمشغل يؤدي مبلغ شهري عن العمال أكثر من المبلغ الذي يؤدي الأجير وهو جزء من الأجر وليس تعويضا أو أداء خارج الأجر، فيستولي الصندوق على حصة الشركة /المشغل ويدفع انفراديا وبدون موافقة الأجير الذي لم يكمل مدة 3240 يوم عمل المبلغ الذي أدى بعد تحيينه -وهي كلمة غامضة- فيكون المبلغ 5000 درهم للعامل أو العاملة التي قضت سنوات وهي تنتظر التقاعد والتأمين الصحي بعد الكبر. ثم إن الصندوق اسمه الضمان الاجتماعي فأي ضمان هذا؟ فالإدارة كانت تستولي على الحصة التي أداها المشغل وهي كما ذكرنا جزء من الأجر وهي الأضخم وتمنح الأجير الفُتات ، ومصلحة الأجير أو الأجيرة أن تستفيد من التقاعد / التأمين الصحي لا أن تأخذ مبلغا ماليا، ثم إن أغلب العمال والعاملات في هذا الصدد طردوا من عملهم أو أغلقت المؤسسات التي يعملون فيها لسبب ما أو لم يؤدي المشغل عنهم الواجبات القانونية وهي الأكثر، فهذا النص كان يؤسس لظلم اجتماعي خطير ضد الأجراء وذا طابع لا إنساني يتناقض مع الأهداف التي أسس من أجلها الصندوق، فالحق الأساسي والوحيد للأجير بعد أن يبلغ ال 60 أو أكثر أن يتسلم مبلغ شهري مع التأمين الصحي مهما كانت الأيام التي عمل فيها، إذ أن مسؤوليته عن عدم أداء الواجبات الشهرية هي مسؤولية المشغل أو المجتمع أو المؤسسات.

ومن أغرب ما يجري هو أن الصندوق وحتى بدون طلب من الأجير كان يبعث إلى الأجير الذي لم يُكمل المدة القانونية مبلغا ماليا ويعتقد الأجير أنه منحة، فيتضح أنه شطب عليه من أسلاك المؤمنين اجتماعيا فيصبح عالة على المجتمع، ومما يزيد الأمر غرابة أن الحكومات المتعاقبة أعلنت الأهداف الاجتماعية ومساعدة الأرامل والمطلقات والمعوزين، في حين كان يجب أن يحظى العمال والعاملات المسجلين في مؤسسة الصندوق بهذا الأمر أكثر باعتبار الأمر يتعلق بطابع مؤسساتي.

ثم كيف سمح أعضاء المجلس الإداري بهذا الشطط، فمن المعلوم أن المجلس الإداري الذي يسير المؤسسة يتألف من وزيري الشغل والمالية ومندوبي العمال والمشغلين، فكيف فاتهم هذا القانون المجحف الذي يجب أن يعدل كليا وليس جزئيا كما جرى في أقرب وقت والتعديل يجب أن يتعلق بمبلغ التقاعد والسماح للأجير بالأداء الشخصي وتقاعد الأرملة ومنع التشطيب على الأجير من الضمان، مع العلم أن النقابات ووزارة المالية انتبهوا له ولو متأخرا وحددوا في الاجتماع الاستثنائي بتاريخي 24 و 26 يناير 2024 مبالغ ما بين 600 إلى 1000 درهم للذين لم يكملوا المدة – وهو أمر يتناقض مع الحد الأدنى الذي يجب أدائه للمتقاعد المحدد في مبلغ 1000 درهم حاليا- مع الزيادات في تقاعد أو معاش الحد الأدنى، لكن هذا لا يكفي إذ يجب تغيير المادتين 53 و 54 فضلا عن المادة 15 كما يجب تأسيس صندوق من الغرامات وفوائد التأخير ومبالغ الأحكام لإكمال المدد الناقصة عن المدة الأقصى/الأدنى أي 3240 يوم /عمل للعاجز عن الأداء وتبليغ الأجير بأي قرار ترغب الإدارة في اتخاذه وموافقته على ذلك أو رفضه أو اتخاذ مايجب، لا أن تتخذ القرارات فرديا من طرف الإدارة وتدمير حياة المسجل / الأجير ويعاقب لأن المشغل لم يؤدي الواجبات عنه، فضلا عن استيلاء الإدارة على المبالغ التي كان أداها المشغل أو التي أديت عن طريق الصلح والمحاكم مع التأكيد على كون حق الأجير هو أن يبقى مسجلا ومتمتعا بأجر التقاعد والضمان الصحي.

التعديلات التي جاء بها قانون 24 و 26 يناير 2024، فقد نصت التعديلات على إلغاء الحد الأدنى لمدة العمل الذي كان 3240 يوم عمل، ونص على أنه يمكن للأجير الذي بلغ الستين أن يأخذ معاشا حتى ولو يكمل 3240 يوم عمل، وذلك بأداء مبلغ 600 درهم بشرط أن يكون الأجير قد عمل لمدة 1430 يوم عمل على الأقل إلى حدود 2800 يوم عمل فيأخذ 1000 درهم شهريا شرط أن يكون قد بلغ الـ 60 من العمر، كما أشرنا إلى ذلك وأن يبدأ تفعيل القانون للذين بلغوا الستين في يناير 2023 فقط.

أولا: أن مبلغ 600 درهم شهريا تقتطع منه واجبات الضمان الصحي 70 درهم فيكون المبلغ 530 درهم.

ثانيا: أن جميع الأداءات يجب قانونيا أن تكون على يد المشغل/الشركة/المؤاجر، في حين يجب تعديل الفصول 53 و54، ويسمح للأجير بأداء المبلغ الناقص عن الحد الأدنى الذي يجب رفعه إلى 1500 درهم على الأقل، أو يستخلص من مبالغ الصلح والمحاكم والغرامات -إذا لم يستطيع الأجير أداءه- فالصندوق يتسلم مبالغ ضخمة عن طريق الغرامات وعن طريق ملفات المحاكم في إطار التسوية القضائية أو الصلح مع المؤسسات المتعثرة في الأداء.

ثالثا: تقاعد الأرملة

فالأرملة إذا توفي زوجها المتقاعد تأخذ نصف المبلغ أو أقل مما كان يتسلمه، وهذا لا معنى له، و 80% من الأداءات التي كان يتسلمها الأزواج لا تتجاوز 2000 أو 3000 درهم، فتتسلم بعد وفاة زوجها ألف درهم. وتمنع من الزواج، فإذا تزوجت يشطب عليها وتحرم أبديا من هذا المبلغ، وهو ظلم فظيع “لم تنتبه” لا الحكومات -الليبرالية ولا الإسلامية ولا الاشتراكية – له ولا سابق له في كل قوانين الضمان الاجتماعي في العالم، فالأرملة يجب أن تأخذ المبلغ كاملا، كما كان يأخذ زوجها الراحل، فلو افترضنا أنه عاش طويلا حتى توفيت زوجته، فهو سيأخذ التقاعد كاملا. ثم إن الهدف الاجتماعي/الشرعي هو تأسيس أسرة، فيمكن للزوج الرجل أن يتزوج كما يمكن لأرملة المتقاعد أن تتزوج ولا ينتزع منها مبلغ التقاعد الذي تركه زوجها، فهو تراكم مالي أوْرثه الزوج لزوجته ولا حق لأحد أن ينتزعه منها لأنه أصلا نتيجة عمله وليس هبة من أحد أو تهدد بمنعها من حياتها الزوجية الطبيعية /الشرعية بمنع مبلغ تقاعد أورثه لها زوجها المتوفى!

هوامش:

  • المدة القانونية السابقة هي 125 شهرا -مع شرط الستين سنة- إذا كان أداء الواجبات الشهرية منتظما، مثلا 26 يوم عمل كل شهر× مضروبة في سنة = 312 يوم /عمل.

ويسمح قانون الضمان الاجتماعي بأداء نسبة أقل حسب تصريح المشغل مثلا 6 أيام أو يومين أو 10 أيام في كل شهر، مما يجعل الأجير لا يصل إلى المدة القانونية حتى لو عمل لعشرين سنة أو أكثر بسبب التصريحات التي عادة تكون غير صادقة أو موسمية.

  • ينص القانون على أن الأجير يأخذ 50% من الأجر إذا أكمل المدة 3240 وبلغ 60 سنة وتضاف نقطة عن كل 276 يوم عمل، وهي عملية معقدة تؤدي إلى أن الأجير لو عمل 20 سنة أو 250 شهرا لا يتسلم كامل الأجر الذي كان يتقاضاه أثناء العمل.
  • إذا تزوجت الأرملة يُسحب منها أجر التقاعد الذي يساوي نصف ماكان يأخذ زوجها المتقاعد/المتوفي ويشطب عليها نهائيا إذا تزوجت، وهذا القانون ناتج عن ظروف تاريخية عاشها المغرب في العهد الاستعماري بالنسبة لحملة السلاح.
  • لا يتجاوز مبلغ التقاعد / المعاش في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لأي أجير كيف ما كان 6000 درهم.

*بـــاحـــث

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button