‏آخر المستجداتلحظة تفكير

أحمد الشيخاوي: العيشُ بعقلية الذئب المنفرد

في الحقيقة لقد ألحَّ علي هذا الموضوع، كثيرا، وطرق أبواب روحي، بإزعاج كبير جدا، لأني بكل بساطة، ليس من عاداتي أن أصدِّر اليأس، بيد أن هذه العتمة التي باتت تحيط بنا، بأطرافها المترامية، بل تنثالنا كأخطبوط، لهي مما لا يثير نزاع اثنين، جديرة بأن نحرك خيوطها، عن وعي، في ضوء ما تُمليهِ علينا المسؤولية وواجبُ الضمير

أحب، ضمن هذه الوقة، بالطبع، أن أنطلق مما تزخر به ذاكرة موروثنا الشفهي، لأقف بالضبط عند حدود بضع أمثلة، من فيض ما تعلمناه، منذ نعوم أظافرنا، غير نادمين.

نحن في أمس الحاجة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن نغذِّي بمضامينها عقولنا، أي تلك الأيقونة التراثية، التي لا تخطئ أدوار إضاءة مسارات الحياة لنا، وكيف أننا معنيون بتبنِّيها، بملء إرادتنا، وبما يجعلها تنعكس على أرض الواقع، ويُحتِّم ضرورة تطبيقها على المستوييْنِ الشخصي والعام، كن راهننا الصائم عمّا تكتنز به خزائن الموروث، بداعي التحضّر والقطيعة مع الأصالة، هو صلب ما جع من راهننا جثة هامدة، والعامة، ما تنفك في جيوب دهاليزه، تزداد أنفسنا خمولا وافتقارا.
وهذا بمختصر القول، ضرب من مقامرة غير محسوبة العواقب، وقف تيار الاستغراب المتنفّذ على حساب إنسانية الكائن، لصالح إمبرياليات الجشع الاقتصادي، وهدم قيمنا ونسف أخلاقنا واختراق هويتنا الجامعة.

طالما سمعت من الكبار هذا الأثر والذي سأورده بلسان مغربي دارج، على أصوله، وكما هو، من غير زيادة ولا نقصان، حيث يُقال: “فين تنحط يد ينحطو عشرة”.

يفترض ألا يفهم من مفردة” تنحط”، هنا، الوضاعة والانحدار، كونها من هذه الزاوية، تأخذ معنى الإقامة الرمزية، والمكان الذي يرفع الذات ويسمو بها محمولة على أخلاق صاحبها، وما يتمتّع بهِ من مروءة، وفي المثل، فوق كل ذلك، أفصح كناية عن الكرم، فالكريم هو الله جل جلاله، والكريم كما هو معروف وشائع، قريب من الله ومن ملائكته ومن عباده.

إلا أن ما لفت فضولي التأويلي هنا، بدرجة أولى، هو السياق العددي، بدرجة أولى، كون متلازمة الرقم واحد والعشرة، سيقت في خطاب المقدس وبمتزمِّلة بلبوسه، وهي مُنشدَّة بالأساس إلى خلفية إسلامية قرآنية، إذ الحسنة بعشر أمثالها، وعلى هذه الدّعامة، يُثاب الكريم، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

فمن أية طينة جبل الآباء والأجداد، إذن، يا ترى؟
لا شك أنهم كانوا سادة أنفسهم، بامتياز، كي يعيشوا مثل هذه الثقافة العميقة والمُسلِّمة بأبجديات البساطة والعمق، في ذات الآن.

إنهم يتخذون من فصول وتفاصيل هذه الثقافة، هوية لامة، أق توصيف لها، أنها أشبه بقوقعة السلحفاة، كدرع واقي، لا يمكن اختراقه، بأي وسيلة كانت.
ثقافة الكرم والتسامح والصوت الجمعي، وهلم جرا، إلى رحاب ما قد يُشاكِلُ ذلك، من منظومة قيم، لا يمكن استساغتها أو فهم معانيها، إلا بإعادة بعثها من رماد الموروث، وضخِّ دماء جديدة في أوردته.

لنتأمل أيضا، هذا المثل:” مكياكل وحدو غير الطبل”.

علاوة على ما فصّلنا فيه من دلالات، يختزلها مثل هذا المَنْقَب، تجري معانيها صافية تشفّ مثل الكريستال، على إيقاعات الكوميديا السوداء، بما ينمّ، عمّا كانت تطفح به مجالس الكبار من دماثة وحسِّ فكاهي، ينأنى عن التهّريج والمجانية، ويضع الإصبع على الأورام المجتمعية، مباشرة.

لذا وتجنّبا لأي إطناب، سأكتفي بهذا الأثر الثالث الذي يقول: ” لي ما يجلسك على مايدة، ولا تدي منو فايدة، رفاقتو غازايدة”.

على سجعيته، ينكأ هذا المثل، الجرح ــ عميقا ــ فينا اليوم، مُعزِّيا فينا، ما دفنَّاه، تحت دياجي خدَرٍ وجودي كبير، جرَّاء انفتاحنا الأعمى، في زخم ما تلقّناه من جشع وتعطّش غير مدبّر ولا مدروس للاحتقان برحيق الثقافات السّامة، المتعارضة مع جملة من مكونات هويتنا وعقيدتنا، فكان من الطبيعي، أن نجني الخيبات والانكسار والاغتراب الروحي، وكل ما هو سلبي، نابض بهواجس تفريقنا، وتمزيق صفنا وضرب وحدتنا، على كثرتنا، وتوفر شروط ما يحول دون اختلافنا وتشرذمنا، فلا أدلّ على ذلك من عناصر اللغة والدين والدم والجوار الجغرافي، مع كامل الأسف.

أيحلو لنا، حدّ الغيبوبة، انتشار رائحة قصعتنا، بما يجلب إليها من الأعداء، أكلة ديدنهم النهم، أراهم جعلوا من مصَّ دمائنا، جسرا إلى انقراض وشيك، ينتظرنا، إن نحن لم نتدارك قوارب النجاة، حسب ما يفتي به الضمير الجمعي، المُنوّمُ فينا، قرونا مُتعاقبة..؟

أردت القول بأن نزعتنا الانفرادية التي باتت طاغية، وراحت تنخر ما بناه السَّلف، من حصون، عميقا، في الروح الحنيفة، وما به سقُوا جذُور الإنسانية حتّى أينعت أغصانها، على أمل أن يتبلسمَ بزمزمها الأحفاد، وإن كنت أتيتُ على الذئب في العنوان، كفصيلة تؤطّرها الغريزة، حاشى أن نكون في مستوى توحّدها، نحن بشر اليوم.

أقلُّه أن تلك الحيوانات الضارية، تعيشُ بعقيدة القطيع، وفقط من يخالف وصايا تلك العقيدة، أو يتمرّد بغير وجه حق، هو من يُعزل، كي يمضي بقية حياته وحيدا منفردا، عكسنا نحن، فالكل يُريد أن يعيش لذاته وفردانيته، حتى لا أقول يحيا، لأن الحياة بمفهومها الواسع، أرقى من أن تُغدق بألوانها، على خونة الضمير الجمعي والصوت الموحّد، وإن تعدّدت المذاهب والرايات.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button