
كش بريس/التحرير ـ
كشف البنك الدولي عن اتساع دائرة الطاقات البشرية غير المستغلة في سوق الشغل المغربي، مؤكدا أن عدد المنتمين إلى ما يعرف بـ”القوة العاملة المحتملة”، أي الأشخاص الراغبين في العمل الذين توقفوا عن البحث عنه أو لا يستوفون جميع شروط تصنيفهم ضمن العاطلين، بلغ نحو 884 ألف شخص خلال الفصل الأول من سنة 2026، مع تمركز أغلب هذه الفئة في الوسط الحضري.
وأوضح البنك الدولي، ضمن تقريره حول الوضع الاقتصادي للمغرب لفصل الصيف 2026، أن معدل البطالة وفق التعريف الضيق بلغ 10.8 في المائة، غير أن هذا المؤشر، بحسب المؤسسة المالية الدولية، لا يعكس الصورة الكاملة لوضعية سوق الشغل، باعتباره يستبعد فئات واسعة من الأشخاص الذين يرغبون في العمل لكنهم لا يظهرون ضمن الإحصاءات التقليدية للبطالة.
وباعتماد مؤشرات أكثر شمولية، ترتفع نسبة الضغط على سوق الشغل بشكل واضح؛ إذ تصل إلى 16.6 في المائة عند احتساب الأشخاص الذين يعملون ساعات أقل من رغبتهم، وإلى 17.1 في المائة عند إدماج القوة العاملة المحتملة، فيما يقفز المؤشر المركب، الذي يجمع بين البطالة والعمل الناقص والقوة العاملة المحتملة، إلى 22.5 في المائة.
ويرى البنك الدولي أن هذه الفوارق بين المؤشر التقليدي للبطالة والمؤشرات الموسعة تكشف عن حجم أوسع من التعطل الاقتصادي، خاصة أن جزءا من الراغبين في العمل يغادرون دائرة البحث النشط عن وظيفة بسبب الإحباط أو ضعف فرص الإدماج المهني، دون أن يعني ذلك غياب الرغبة في الاشتغال.
وتبرز حدة هذه الإشكالية بشكل أكبر لدى النساء والشباب، حيث بلغ المؤشر الذي يجمع البطالة والقوة العاملة المحتملة 27.9 في المائة لدى النساء، مقابل 40.4 في المائة لدى الشباب، ما يعكس استمرار صعوبات الولوج إلى سوق الشغل بالنسبة لهاتين الفئتين.
وتأتي هذه المعطيات في سياق اعتماد المندوبية السامية للتخطيط، ابتداء من الفصل الأول من سنة 2026، منهجية جديدة لرصد سوق الشغل، انتقلت بموجبها من البحث الوطني حول التشغيل إلى بحث جديد حول اليد العاملة، بما ينسجم مع المعايير المعتمدة من طرف منظمة العمل الدولية.
وتقوم المنهجية الجديدة على شروط أكثر دقة لتصنيف الأشخاص ضمن فئة العاطلين، إذ يتعين أن يكون الشخص دون عمل مؤدى عنه خلال الفترة المرجعية، وأن يكون قد قام ببحث نشط عن وظيفة خلال الأسابيع الأربعة السابقة، وأن يكون مستعدا للالتحاق بالعمل خلال أجل أسبوعين.
أما الأشخاص الذين يرغبون في العمل لكنهم لا يستوفون أحد هذه الشروط، فقد أصبحوا يصنفون ضمن “القوة العاملة المحتملة”، بدل إدراجهم مباشرة ضمن فئة العاطلين، وهو ما يفسر جزئيا الاختلاف بين بعض المؤشرات السابقة والحالية.
مشاركة النساء في سوق الشغل.. أحد أضعف المعدلات عالميا
في جانب آخر، سجل تقرير البنك الدولي استمرار ضعف مشاركة المغاربة في سوق الشغل، إذ بلغ معدل النشاط الاقتصادي 41.8 في المائة، أي أقل بحوالي عشرين نقطة من المتوسط العالمي البالغ نحو 61 في المائة.
وتظل مشاركة النساء التحدي الأكبر، بعدما لم تتجاوز 17.5 في المائة، مقابل متوسط عالمي يناهز 51 في المائة، ما وضع المغرب في المرتبة 186 من أصل 195 دولة من حيث مشاركة النساء في سوق العمل، وفقا لمعطيات البنك الدولي.
وحذر التقرير من إجراء مقارنات مباشرة بين أرقام السنوات السابقة ونتائج الفصل الأول من 2026، موضحا أن انخفاض معدل المشاركة من 43.5 في المائة إلى 41.8 في المائة، وتراجع مشاركة النساء من 19 في المائة إلى 17.5 في المائة، لا يعكس بالضرورة تراجعا فعليا في الاندماج الاقتصادي، وإنما يرتبط أساسا بتغيير طريقة التصنيف، خصوصا بالنسبة للعمال المحبطين وبعض العاملين دون أجر في القطاع الفلاحي.
واعتبر البنك الدولي أن المنهجية الجديدة تقدم قراءة أكثر واقعية لسوق الشغل المغربي، لكنها في الوقت نفسه تكشف بشكل أوضح عن الاختلالات البنيوية التي كانت أقل ظهورا في المؤشرات السابقة، مرجحا أن تكون مستويات المشاركة الماضية قد احتسبت بعض الفئات ضمن قوة العمل رغم ضعف ارتباطها الفعلي بسوق الشغل.
توسيع الرصد ليشمل العمل الرقمي وأنماط التشغيل الجديدة
وفي إطار تطوير أدوات القياس، رفعت المندوبية السامية للتخطيط حجم العينة السنوية للبحث الجديد من نحو 90 ألف أسرة إلى 135 ألفا، أي بزيادة تقارب 50 في المائة، كما وسعت نطاق الرصد ليشمل أنماطا جديدة من العمل، من بينها العاملون عبر المنصات الرقمية الذين يصنفون غالبا كعاملين مستقلين رغم وجود ارتباط اقتصادي بمشغل أو منصة واحدة.
وربط البنك الدولي ارتفاع أعداد الأشخاص خارج سوق الشغل النشط بمجموعة من العوامل، من بينها صعوبة دخول الشباب والنساء إلى سوق العمل، وضعف بعض المهارات الأساسية لدى فئات من الباحثين عن وظيفة، إضافة إلى محدودية فرص الشغل ذات الأجور الملائمة لمستوى التكوين، خاصة بالنسبة للخريجين الجدد.
وخلص التقرير إلى أن التحدي الرئيسي أمام الاقتصاد المغربي لا يرتبط فقط بخفض معدل البطالة المعلن، بل يتجاوز ذلك إلى توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، وتحويل الطاقات البشرية غير المستغلة إلى قوة إنتاجية، عبر تحسين جودة التعليم والتكوين، وخلق وظائف أكثر قدرة على استيعاب الكفاءات، وتعزيز إدماج النساء والشباب في الدورة الاقتصادية.



