‏آخر المستجداتالمجتمع

المازوط يقترب من 17.20 درهماً بالمغرب.. أسعار النفط تتراجع عالمياً ومحطات الوقود تواصل استنزاف جيوب المغاربة

كش بريس/التحرير ـ

في مفارقة تثير أسئلة محرجة حول تحرير سوق المحروقات وغياب الرقابة، تواصل أسعار المازوط بالمغرب منحاها التصاعدي، متجاوزة عتبة 17 درهماً للتر في عدد من محطات الوقود، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية بأكثر من 3 في المائة.

لم تعد معادلة أسعار المحروقات بالمغرب تثير مجرد استياء عابر لدى المستهلكين، وإنما أصبحت عنواناً لاختلال واضح في العلاقة بين تقلبات السوق الدولية والأسعار المعتمدة محلياً. فبينما تتجه المؤشرات العالمية نحو الانخفاض، يجد المغاربة أنفسهم أمام زيادات جديدة في أسعار المازوط، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال المستفيد من تحرير القطاع، والجهة التي يفترض أن تحمي القدرة الشرائية من تقلبات سوق تبدو فيها الزيادات أسرع من التخفيضات.

ومع دخول التسعيرة الجديدة حيز التنفيذ مطلع نونبر الجاري، بلغ سعر لتر المازوط حوالي 17.20 درهماً في بعض محطات الوقود، فيما تراوحت الأسعار بمحطات أخرى في الدار البيضاء بين 16.40 و16.99 درهماً، وفق المعطيات المتداولة، مع استمرار التفاوت بين شركات التوزيع ومناطق المملكة.

وتراوحت الزيادة الجديدة في سعر المازوط بين 80 سنتيماً ودرهم واحد للتر، في حين سجل البنزين انخفاضاً محدوداً تراوح بين 10 و30 سنتيماً، بحسب شركات التوزيع ومحطات البيع. وهي أرقام تعيد طرح إشكالية شفافية التسعير، ومدى خضوع الأسعار المتداولة لمعايير موحدة ومفهومة لدى المستهلك.

السوق الدولية تتراجع.. والفاتورة المغربية ترتفع

المفارقة الأكثر إثارة في هذه التطورات أن الزيادات المحلية جاءت في وقت سجلت فيه أسواق النفط العالمية تراجعاً ملموساً خلال التعاملات الآسيوية المبكرة، الاثنين. فقد انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 3.68 دولارات، أي بنسبة 3.2 في المائة، لتستقر عند 109.75 دولارات للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بـ3.43 دولارات، بما يعادل 3.3 في المائة، ليستقر عند 100.69 دولار للبرميل.

وجاء هذا التراجع عقب محادثات أجراها مسؤولون إيرانيون وقطريون لليوم الثالث على التوالي، في سياق المساعي الرامية إلى إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافق ذلك من مؤشرات على انحسار بعض المخاوف المرتبطة بإمدادات النفط العالمية.

وبينما تترجم الأسواق الدولية تراجع الأسعار إلى مؤشرات انخفاض، تظل السوق المغربية محكومة بمنطق تسعيري يثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً بشأن سرعة انتقال الزيادات الدولية إلى المستهلك، مقابل بطء انعكاس الانخفاضات على أسعار البيع بالتقسيط.

مجلس المنافسة.. حضور مؤسساتي وأسئلة معلقة

الأكثر إثارة للقلق أن هذا الاضطراب السعري يتزامن مع غياب رقابة ميدانية ومؤسساتية يشعر المستهلك بأثرها. فبعد سنوات من تحرير أسعار المحروقات، ما تزال السوق تفتقر إلى ما يكفي من الشفافية في تفسير الفوارق السعرية، وتوضيح هوامش التوزيع، وتتبع الكلفة الحقيقية للمنتجات النفطية عند وصولها إلى محطات الوقود.

وفي قلب هذه الإشكالية، يبرز مجلس المنافسة الذي يفترض أن يضطلع بدور محوري في رصد الممارسات المنافية للمنافسة، ومراقبة سلوك الفاعلين الاقتصاديين، والتصدي لأي تنسيق أو تواطؤ محتمل يضر بمصالح المستهلكين. غير أن حصيلة حضوره في النقاش العمومي حول أسعار المحروقات تطرح تساؤلات متكررة حول مدى نجاعة تدخله، وقدرته على الانتقال من إصدار التقارير والتوصيات إلى ممارسة رقابة مستمرة وفعالة على سوق استراتيجية تمس الحياة اليومية للمغاربة.

لقد ظل المجلس، خلال سنوات من الجدل المتواصل بشأن أسعار المحروقات، يبدو في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام منكمشاً على ذاته، محدود الأثر في مواجهة الاختلالات التي يشتكي منها المستهلكون. وهو ما يجعل مساءلته اليوم ضرورة مؤسساتية، خصوصاً أن حماية المنافسة لا تختزل في مراقبة النصوص القانونية، وإنما تقتضي تتبعاً فعلياً لحركة الأسعار، وهوامش الأرباح، وشروط التوزيع، ومدى استفادة المستهلك من انخفاض الكلفة الدولية.

تحرير الأسعار أم تحرير المستهلك من حقه في الحماية؟

منذ تحرير أسعار المحروقات في نهاية سنة 2015، أصبح تحديد أسعار البيع بالمغرب خاضعاً لقرارات شركات التوزيع وتطورات كلفة الاستيراد والتكرير والنقل والتخزين وأسعار الصرف وهوامش الربح. كما أن اعتماد المغرب الكبير على استيراد حاجياته النفطية يجعله مرتبطاً بتقلبات الأسواق الخارجية.

غير أن هذه الاعتبارات الاقتصادية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر مفتوح لكل زيادة، ولا إلى إعفاء لشركات التوزيع من واجب تقديم المعطيات التي تفسر بنية الأسعار ومكوناتها. فالمطلوب هو كشف المسافة بين كلفة الاستيراد وسعر البيع النهائي، وتحديد نصيب الضرائب والنقل والتخزين وهوامش الشركات، مع إخضاع هذه المكونات للمراقبة والتقييم المنتظم.

وتزداد خطورة الزيادات الجديدة بالنظر إلى موقع المازوط في منظومة الاقتصاد الوطني، حيث يشكل الوقود الأساسي لجزء كبير من أسطول نقل البضائع والمسافرين، الأمر الذي يجعل أي ارتفاع في سعره قابلاً للانتقال إلى تكاليف النقل وأسعار المواد الاستهلاكية والخدمات، بما يضاعف الضغط على الأسر والمهنيين والمقاولات الصغرى.

في المحصلة، لم يعد مقبولاً أن يظل المستهلك المغربي الحلقة الأضعف في سوق تتحرك أسعارها صعوداً وهبوطاً وفق آليات لا يعرف تفاصيلها، ولا يملك أدوات لمساءلة الفاعلين المتحكمين فيها. فحين ترتفع الأسعار محلياً بالتزامن مع انخفاضها دولياً، يصبح من المشروع المطالبة بتفسير شفاف لهذه المفارقة، وبإعادة الاعتبار لدور مجلس المنافسة وأجهزة المراقبة وحماية المستهلك.

إن استمرار هذا الوضع يضع سياسة تحرير المحروقات أمام اختبار حقيقي: هل أنتجت سوقاً تنافسية تنعكس تقلباتها على المستهلك في الاتجاهين، أم تركت المجال واسعاً أمام تفاوتات سعرية لا تجد من يفسرها أو يراقب آثارها؟

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button