
كش بريس/خاص ـ فقدت الساحة الفكرية العالمية أحد أبرز أعلامها في القرن العشرين والحادي والعشرين، بوفاة المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، صاحب نظرية “الفكر المركب” وأحد أهم منظري مقاربة التعقيد في العلوم الإنسانية والاجتماعية، عن عمر ناهز قرنًا من الزمن حافلًا بالكتابة والمراجعة النقدية والتحولات الفكرية العميقة.
ويُعد موران، الذي ارتبط اسمه بمشروعه المعرفي الشهير حول “التعقيد”، من المفكرين القلائل الذين سعوا إلى تفكيك حدود التخصصات المغلقة، والدعوة إلى فكر كليٍّ مركب يربط بين المعرفة العلمية والإنسانية، في مواجهة اختزال الواقع داخل قوالب تفسيرية ضيقة.
ولد إدغار ناهوم (إدغار موران) في 8 يوليو/تموز 1921 بالعاصمة الفرنسية باريس، لأسرة ذات أصول يهودية يونانية، وفقد والدته في سن مبكرة، وهي تجربة شكلت جزءًا من حساسيته الوجودية والفكرية تجاه الهشاشة الإنسانية ومعنى الحياة والموت.
تلقى تكوينه الأكاديمي في التاريخ والجغرافيا، ثم في القانون، قبل أن ينخرط في مسار بحثي طويل داخل المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، حيث تدرج لاحقًا إلى مدير للأبحاث، كما حصل على دكتوراه فخرية من عدد كبير من الجامعات العالمية.
سياسيًا وفكريًا، عرف موران مسارًا متقلبًا؛ إذ انخرط مبكرًا في الحزب الشيوعي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن ينسحب منه لاحقًا، وشارك في أنشطة المقاومة ضد النازية، كما خدم في الجيش الفرنسي بعد الحرب. وقد اتسمت تجربته السياسية بمسافة نقدية من كل الإيديولوجيات المغلقة، وهو ما انعكس لاحقًا في مشروعه الفكري المناهض للتبسيط.
وخلال مسيرته، لم يكتف موران بالإنتاج الأكاديمي، بل انخرط في قضايا الفكر الإنساني والعدالة الدولية، معبّرًا في أكثر من مناسبة عن مواقف داعمة لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، كما أثار جدلًا في فرنسا بسبب مواقفه وانتقاداته للسياسات الإسرائيلية، وهو ما قاده إلى ساحات قضائية في بعض المحطات.
وفي ما يتعلق بالعالم العربي، قدّم قراءات نقدية لمرحلة “الربيع العربي”، معتبرًا أن المنطقة كانت تعيش مخاضًا معقدًا يتجاوز ثنائية الاستبداد والديمقراطية، في سياق إعادة تشكيل عميقة للبنى السياسية والفكرية.
أما على مستوى الإنتاج الفكري، فقد ترك موران مكتبة فكرية واسعة، من أبرزها “المنهج” بمجلداته التي أسست لمفهوم الفكر المركب، و“عام ألمانيا صفر”، و“النقد الذاتي”، و“السينما أو الإنسان المتخيل”، إضافة إلى أعماله اللاحقة التي مزجت بين السيرة الفكرية والتأمل الفلسفي في التحولات العالمية.
ويظل إدغار موران واحدًا من القلائل الذين أعادوا التفكير في معنى المعرفة نفسها، وفي علاقة الإنسان بالعالم، واضعًا بصمته في الفلسفة المعاصرة بوصفه مفكرًا للتركيب، لا للتبسيط، وللسؤال المفتوح لا للإجابات النهائية.
برحيله، تُطوى صفحة فكرية استثنائية، لكن أثره سيظل حاضرًا في كل محاولة جادة لفهم العالم خارج يقينياته الجاهزة.





