
يُعد كتاب “إسبانيا في مواجهة التاريخ… فك العقد” للصحفي الإسباني خوان غويتيصولو (Juan Goytisolo) الصادر سنة 2008، (ترجمة الدكتور عبد العالي بروكي)، وقفة نقدية جريئة اذ يُشرح اللاشعور الجماعي الإسباني.
الكتاب عبارة عن تجميع لمقالات نشرها غويتوصولو سابقا.
يتبين أن مدينة سبتة في فكر خوان غويتيصولو تمثل واحدة من أعقد “العقد” التاريخية والسيكولوجية التي تواجه إسبانيا المعاصرة.
1. سياسة النعامة والهروب من التاريخ
وصف غويتيصولو الموقف الرسمي والإعلامي الإسباني تجاه سبتة بـ “سياسة النعامة”. فعندما طالب وزير الخارجية المغربي الاستقلالي المراكشي محمد بوستة ، خلال محاضرة القاها بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة جورج طاون باسترجاع سبتة ومليلية، سادت حالة من الهيجان في الأوساط السياسية الإسبانية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، رافضة حتى مجرد مناقشة “مغربية” المدينتين . ويرى الكاتب أن إسبانيا تختبئ وراء شعارات “الوحدة الترابية” لتتجنب مواجهة حقيقة أن وجودها هناك يمثل إرثاً استعمارياً يصعب الدفاع عنه أخلاقياً في عالم ما بعد الاستعمار.
2. رفض الآخر:
يحلل غويتيصولو عقلية السكان الإسبان في سبتة، واصفاً إياها بعقلية “الأقدام السوداء pieds noirs ” ( تشبيها بالفرنسيين الذين عاشوا في الجزائر). هذه العقلية تقوم على الرفض القاطع لكل ما هو عربي أو إسلامي، وتعتبر الثقافة المغربية “عدواً” مهدداً للهوية الإسبانية “المقدسة”. ويشير الكتاب إلى أن هذا الحقد يتغذى على موروث تاريخي قديم يرى في “المورو” (المغربي) غازياً دائماً، مما جعل سكان سبتة يرفعون شعارات عنيفة مثل: “سنحرق سبتة ومليلية قبل أن نسلمها للمورو”.
3. “مدينة العجائب” والاقتصاد القائم على التهريب
يطلق الكاتب على سبتة لقب “مدينة العجائب” (مدينة الفوضى)، حيث يتداخل فيها الرخاء الظاهري مع الاستغلال البشع . فالاقتصاد في سبتة لا يقوم على أسس إنتاجية، بل يعتمد بنسبة تزيد عن 10% على “صناعة التهريب” التي يعيش منها آلاف الأشخاص على جانبي الحدود (سنخصص حلقة من سبتيات لتطور هذه الظاهرة). هذا الواقع خلق نظاماً يشبه “الأبارتهايد” (الفصل العنصري)، حيث يتم استغلال اليد العاملة المغربية الرخيصة في ظروف مهينة، بينما تستفيد الشركات الإسبانية والبنوك من الأرباح الطائلة التي يدرها هذا الوضع غير القانوني .
4. الجدار والمواجهة العسكرية والسياسية
يتطرق غويتيصولو إلى “الجدار” والأسلاك الشائكة التي تحيط بسبتة، معتبراً إياها رمزاً لمحاولة “القلعة الأوروبية” عزل نفسها عن محيطها الأفريقي. كما يبرز كيف أن قضية سبتة كانت ورقة ضغط سياسي؛ فالحزب الشيوعي الإسباني، مثلاً، غير موقفه من تأييد الحقوق المغربية إلى تبني “الوطنية الإسبانية” المتطرفة لغايات انتخابية. كما يشير إلى المناورات التي كانت تحيط بزيارة ملك المغرب الحسن الثاني وتصريحاته التي كانت تثير رعب الأوساط السبتية.
5. فك العقدة: نحو رؤية مشتركة
يختم غويتيصولو قراءته بالتأكيد على أن الحل لن يكون عسكرياً أو بالانغلاق خلف الجدران، بل بـ “فك عقد” التاريخ. يدعو المثقفين الإسبان والمغاربة إلى التفكير المشترك في مستقبل المدينة بعيداً عن الصراعات العميقة والاتهامات العقيمة. ويرى أن الاعتراف بالتعددية الثقافية للمدينة واحترام حقوق القاطنين من أصل مغربي هو السبيل الوحيد لتحويل سبتة من “ثكنة عسكرية” ومحيط للمراقبة إلى فضاء للتعايش .



