‏آخر المستجداتبقية العالم

فرنسا على صفيح اجتماعي وسياسي ساخن.. احتجاجات الطلاب وإضراب النقابات ومأزق الميزانية يضعون حكومة لوكورنو أمام اختبار صعب

كش بريس/خاص (وكالات) ـ

باريس – تدخل فرنسا أسبوعاً جديداً من التوتر الاجتماعي والسياسي، وسط تداخل جبهات الاحتجاج واتساع رقعة الخلافات بين الحكومة ومكونات المجتمع، في مشهد يضع حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أمام اختبار متشعب، تتقاطع فيه مطالب الشباب بإصلاح التعليم وضمان تكافؤ الفرص، مع غضب الشغيلة من تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن انقسام البرلمان بشأن الخيارات المالية والضريبية للعام المقبل.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه السلطة التنفيذية صعوبة متزايدة في بناء توافق برلماني حول مشروع ميزانية 2027، بعدما اصطدم مشروع تمويل الضمان الاجتماعي برفض النواب، وهو ما يضاعف الضغوط على حكومة تفتقر إلى أغلبية مستقرة، ويجعل قدرتها على احتواء الاحتقان الاجتماعي مرتبطة أيضاً بمدى نجاحها في تدبير المواجهة التشريعية.

عودة الاحتجاجات الطلابية.. المدارس والجامعات في قلب المواجهة

استعادت الحركة الاحتجاجية الطلابية زخمها مع استئناف الدراسة، الاثنين 2 نونبر، عقب عطلة مدرسية امتدت أسبوعين، حيث عادت الدعوات إلى تنظيم اعتصامات وعرقلة الولوج إلى المؤسسات التعليمية، بمبادرة من تنظيمات طلابية ونقابية رافضة للتدابير الحكومية المتعلقة بإصلاح التعليم العالي وتحسين ظروف الدراسة.

وسجلت الساعات الأولى من استئناف الدراسة محاولات محدودة لإغلاق المؤسسات التعليمية، إذ أفادت وكالة رويترز بأن 41 مدرسة ثانوية تأثرت أو شهدت محاولات عرقلة الدخول إليها بحلول الساعة الثامنة والنصف صباحاً بتوقيت غرينتش، أي نحو واحد في المائة من مجموع الثانويات الفرنسية. ويأتي ذلك بعد موجة احتجاجات أوسع خلال الأسابيع السابقة، شهدت إغلاق مئات المؤسسات بشكل كلي أو جزئي.

وتتمحور المطالب الطلابية حول تحسين البنيات التعليمية، وتوفير المدرسين، وتوسيع العرض الجامعي، فضلاً عن مراجعة نظام التوجيه والقبول في التعليم العالي، المعروف باسم «باركورسوپ» (Parcoursup)، والذي تتهمه تنظيمات طلابية بتكريس الانتقائية وإنتاج تفاوتات في فرص الولوج إلى الجامعات والمعاهد.

وكانت الحكومة قد أعلنت، في 26 أكتوبر الماضي، عن حزمة إجراءات وصفتها بأنها استجابة لمطالب التلاميذ والطلبة، تشمل استبدال منصة «باركورسوپ» بنظام جديد ابتداء من سنة 2028، وتحسين شروط القبول خلال دورة 2027، وإحداث 15 ألف مقعد إضافي بالتعليم العالي، فضلاً عن توظيف 500 مدرس إضافي.

وتتضمن التدابير أيضاً تحديد سقف أقصى في 28 تلميذاً بأقسام السنة الثانية من التعليم الثانوي، على مراحل ابتداء من الدخول المدرسي المقبل، وتخصيص مليار يورو للاستثمار في البنيات الجامعية، إلى جانب قروض بقيمة أربعة مليارات يورو بشروط تفضيلية للمساهمة في ترميم المؤسسات الثانوية، وربط المنح الجامعية بمعدل التضخم ابتداء من الدخول الجامعي لسنة 2027.

غير أن هذه الالتزامات لم تنجح في إنهاء الاحتجاجات، إذ ترى التنظيمات الطلابية أن الإعلان عن الإصلاحات لا يكفي ما لم يقترن بتمويل واضح وضمانات عملية، خصوصاً أن عدداً من التدابير يظل مؤجلاً إلى 2027 و2028، فضلاً عن ارتباط تنفيذ بعضها بالمصادقة البرلمانية على الميزانية.

وتعكس هذه المواجهة أزمة أعمق في المدرسة الفرنسية، تتصل بتفاوت فرص التعليم، والضغط النفسي المرتبط بالتقييم المستمر، وصعوبة الولوج إلى التخصصات الجامعية، فضلاً عن تراجع الثقة في منظومة التوجيه الدراسي.

الخميس 5 نونبر.. النقابات تستعد لتوسيع دائرة الإضراب

بالتوازي مع الاحتجاجات الطلابية، تتجه الأنظار إلى الخميس 5 نونبر، الموعد الذي حددته مجموعة من النقابات الفرنسية لتنظيم يوم وطني للإضراب والتظاهر، دفاعاً عن الأجور والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والتشغيل والصناعة.

وتأتي هذه التعبئة بعد لقاء جمع ممثلي النقابات برئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في 21 أكتوبر الماضي، لم يسفر، بحسب تصريحات قيادات نقابية، عن إجراءات ملموسة تستجيب للمطالب الاجتماعية المطروحة.

وفي هذا السياق، دعت صوفي بينيه، الأمينة العامة للكونفدرالية العامة للشغل (CGT)، إلى توسيع الإضراب ابتداء من الخامس من نونبر، معتبرة أن المرحلة تستدعي الانتقال من الاحتجاجات والتظاهرات إلى الضغط النقابي داخل أماكن العمل، من أجل انتزاع زيادات في الأجور والمعاشات وتحسين تمويل المرافق العمومية.

كما تشمل المطالب مراجعة الأجور بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار، وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية، والتصدي لتدهور ظروف العمل، في ظل استمرار المخاوف من اتساع الفوارق الاجتماعية وتآكل القدرة الشرائية للأسر.

وتكتسب هذه التعبئة أهمية إضافية بالنظر إلى احتمال تفاعلها مع الحركة الطلابية، بما قد يخلق تقاطعاً بين مطالب الأجيال الشابة واحتجاجات العاملين والمتقاعدين والفئات المتضررة من غلاء المعيشة. وهو ما يفتح الباب أمام جبهة اجتماعية أوسع، تتجاوز المطالب القطاعية إلى مساءلة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

أعمال العنف تضع السلطات أمام معادلة الأمن وحرية الاحتجاج

ولا تنفصل التطورات الاجتماعية عن التحديات الأمنية، خصوصاً بعد أعمال العنف والتخريب والنهب التي رافقت بعض احتجاجات 17 أكتوبر الماضي، وأثارت مخاوف من انزلاق التعبئة إلى مواجهات مفتوحة بين المحتجين وقوات الأمن.

ورغم تسجيل تراجع في حجم الاعتقالات خلال التحركات الأخيرة مقارنة بموجة 17 أكتوبر، فإن السلطات تواصل استعداداتها لتأمين التجمعات المرتقبة، وسط تحذيرات من احتمال تدخل مجموعات متطرفة أو استغلال الاحتجاجات لتنفيذ أعمال تخريبية.

وتشير معطيات نقلتها وكالة أسوشيتد برس إلى أن الشرطة أوقفت 779 شخصاً خلال تحركات السبت 31 أكتوبر، مقابل 2628 شخصاً في 17 أكتوبر، وهو تراجع يعكس اختلاف حجم المواجهات بين المحطتين، دون أن يعني انتهاء التوتر الأمني.

كما تطرح إمكانية انضمام مجموعات من حركة «السترات الصفراء» إلى التحركات المقبلة احتمال تجدد أشكال الاحتجاج المرتبطة بغلاء المعيشة والضرائب وتكاليف التنقل، بما قد يعيد إلى الشارع الفرنسي مشاهد التعبئة الاجتماعية التي طبعت السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تجد الحكومة نفسها أمام تحدي الموازنة بين ضمان الحق في التظاهر وحماية الممتلكات والأمن العام، خصوصاً أن أي تعامل أمني مثير للجدل قد يضيف وقوداً جديداً إلى حالة الاحتقان القائمة.

ميزانية 2027.. حكومة بلا أغلبية أمام اختبار البرلمان

على الجبهة السياسية، تواجه حكومة لوكورنو مأزقاً تشريعياً متصاعداً، بعدما رفضت الجمعية الوطنية، في 23 أكتوبر الماضي، الجزء المتعلق بإيرادات مشروع قانون تمويل الضمان الاجتماعي لسنة 2027، ما أدى إلى اعتبار المشروع برمته مرفوضاً في القراءة الأولى وإحالته إلى مجلس الشيوخ وفق المسطرة التشريعية.

ويشكل هذا التطور مؤشراً على صعوبة تمرير الخيارات المالية للحكومة في ظل التوازنات البرلمانية الهشة، وتباين مواقف الكتل السياسية بشأن توزيع الأعباء الضريبية والاجتماعية.

وتتجه الأنظار كذلك إلى مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يتضمن خطة حكومية لخفض الإنفاق وتحقيق وفورات مالية تصل إلى 54 مليار يورو، في مسعى للسيطرة على العجز وإعادة التوازن إلى المالية العمومية.

غير أن هذه الخطة تواجه اعتراضات من قوى سياسية ونقابية ترى في جانب من تدابير التقشف تهديداً للخدمات العمومية والقدرة الشرائية، فيما تطالب أطراف أخرى بتشديد الانضباط المالي وتقليص النفقات.

ومن أبرز مصادر التوتر الخلاف بشأن الضرائب المفروضة على الشركات الكبرى، وحجم مساهمة الفئات الاقتصادية المختلفة في تمويل الميزانية، إلى جانب الجدل حول الإنفاق الاجتماعي وأجور العاملين في القطاع العام.

ويزيد من تعقيد المشهد أن الحكومة لا تستند إلى أغلبية برلمانية مريحة تضمن تمرير مشاريعها، الأمر الذي يجعل كل تصويت مناسبة جديدة لاختبار تماسك التحالفات وقدرة رئيس الوزراء على تفادي إسقاط حكومته.

وكان لوكورنو قد أبدى تمسكه بمواصلة المسار البرلماني العادي، مع طرح تجنب اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور، التي تتيح للحكومة تمرير مشروع قانون دون تصويت مباشر للجمعية الوطنية، شريطة عدم وجود عرقلة برلمانية. غير أن استمرار الانقسام قد يعيد هذا الخيار إلى واجهة النقاش، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى آليات استثنائية أخرى وفق الضوابط الدستورية.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button