‏آخر المستجداتفنون وثقافة

مركز الذاكرة المشتركة يمنح جائزته الدولية لسنة 2026 للمركز الدولي للعدالة الانتقالية ويكرّم الحقوقي محمد النشناش

كش بريس/التحرير ـ

أعلن مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم منح جائزته الدولية «ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم»، برسم سنة 2026، إلى المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، تقديراً لإسهاماته الممتدة على مدى خمسة وعشرين عاماً في مواكبة المجتمعات التي تواجه إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ودعم مسارات الحقيقة والإنصاف والمساءلة والإصلاح المؤسساتي.

وجاء هذا القرار، وفق بلاغ المركز، عقب سلسلة من المشاورات والاتصالات، وبعد التداول داخل المكتب التنفيذي والمجلس الوطني، اعترافاً بالدور الذي اضطلع به المركز الدولي للعدالة الانتقالية في مساندة الضحايا وشركاء المجتمع المدني في أكثر من سبعين بلداً، والعمل على ترسيخ مقاربات العدالة الانتقالية بوصفها مدخلاً لبناء مجتمعات ديمقراطية وعادلة ومستقرة.

اعتراف بقيمة العدالة الانتقالية وحفظ الذاكرة

وعبّر المركز الدولي للعدالة الانتقالية، في رسالة وجّهها أمينه التنفيذي إلى رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، عن اعتزازه بهذا التتويج، معتبراً إياه اعترافاً بجهود المؤسسة والتزامها بقيم حقوق الإنسان والديمقراطية والسلم.

وتكتسب الجائزة، بحسب الرسالة، دلالة خاصة لتزامنها مع الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية، بما تحمله من استحضار لمسار طويل من العمل إلى جانب الضحايا والمجتمعات المتضررة من النزاعات والانتهاكات الجسيمة.

كما يعكس صدور هذا التكريم عن مؤسسة مدنية تنشط في مجال الذاكرة والعدالة الانتقالية بالمغرب والفضاء المتوسطي تقاطعاً في الرؤية بشأن ضرورة مواجهة ماضي الانتهاكات، وضمان حقوق الضحايا، وإرساء شروط المصالحة القائمة على الحقيقة والإنصاف والإصلاح.

وأكد مركز الذاكرة المشتركة أن اختياره للمؤسسة المتوجة يستند إلى طبيعة المقاربة التي أسهمت في تطويرها وترسيخها، بما يجعل العدالة الانتقالية مساراً متكاملاً يربط الاعتراف بالانتهاكات بإنصاف الضحايا، ومعالجة أسباب الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات، وتعزيز ضمانات عدم التكرار.

التجربة المغربية في صلب رهانات الذاكرة والإنصاف

ويستحضر المركز، في سياق هذا التتويج، الرسالة السامية التي وجّهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في المناظرة الدولية حول «مسارات العدالة الانتقالية من أجل إصلاحات مستدامة»، المنعقدة بمقر مجلس النواب يوم 6 دجنبر 2024، بمناسبة الذكرى العشرين لإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي وصف فيها الهيئة بأنها «لبنة أساسية ضمن أسس البناء والانتقال الديمقراطي وتوطيد دولة الحق والقانون».

ويعيد هذا الاستحضار التأكيد على أهمية التجربة المغربية في معالجة إرث الانتهاكات الماضية، وما راكمته من خبرة في مجالات كشف الحقيقة وجبر الضرر والمصالحة والإصلاح المؤسساتي، إلى جانب التحديات المرتبطة باستكمال مسارات الإنصاف وترسيخ ضمانات حماية الحقوق والحريات.

كما يشدد المركز على أهمية التعاون المستقل بين مؤسسات المجتمع المدني الوطنية والدولية في الدفاع عن المبادئ الكونية لحقوق الإنسان، بعيداً عن الاصطفافات السياسية الظرفية والانتقائية في التعامل مع الانتهاكات، بما يعزز التضامن الحقوقي ويكرس شمولية الحق في الحقيقة والعدالة.

تكريم محمد النشناش وفاء لذاكرة الحركة الحقوقية

وفي مناسبة تسليم الجائزة، يعتزم مركز الذاكرة المشتركة تكريم الدكتور محمد النشناش، العضو السابق بهيئة الإنصاف والمصالحة وأحد الأعضاء المؤسسين للمركز، تقديراً لمساره الطويل في الدفاع عن حقوق الإنسان، وإسهاماته في ترسيخ ثقافة الإنصاف والمصالحة وحفظ الذاكرة بالمغرب.

ويحمل هذا التكريم دلالة تتجاوز الاحتفاء بمسار شخصي، ليشمل الاعتراف بأدوار جيل من الحقوقيات والحقوقيين والفاعلين المؤسساتيين والمدنيين الذين ساهموا في بناء التجربة المغربية للعدالة الانتقالية، ونقلوا ملف الانتهاكات الجسيمة من دائرة الصمت إلى ورش وطني للحقيقة والإنصاف وجبر الضرر والمصالحة والإصلاح الديمقراطي.

ويأتي هذا الاعتراف في سياق استحضار التضحيات والجهود التي بذلتها الحركة الحقوقية المغربية من أجل صون الكرامة الإنسانية، وتعزيز دولة القانون، وإرساء ثقافة مؤسساتية تجعل احترام الحقوق والحريات أساساً للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

الجائزة في مواجهة تصاعد النزاعات وخطابات الكراهية

ويكتسب التتويج دلالة إضافية في ظل التحولات الدولية الراهنة، التي تتسم بتصاعد النزاعات المسلحة، واتساع نطاق الانتهاكات الجسيمة، وتراجع آليات المساءلة في عدد من السياقات، إلى جانب تنامي خطابات الكراهية والاستقطاب.

وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز حفظ الذاكرة والدفاع عن حقوق الضحايا باعتبارهما عنصرين أساسيين في مقاومة الإفلات من العقاب ومنع إعادة إنتاج العنف. فالاعتراف بالماضي ومعالجة آثاره يتيحان بناء أسس أكثر متانة للسلم المجتمعي، ويحدان من توظيف الذاكرة في تأجيج النزاعات وإعادة إنتاج الانقسامات.

ومن المرتقب أن تُسلّم الجائزة الدولية خلال حفل افتتاح الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة، الذي تحتضنه مدينة الناظور من 12 إلى 17 دجنبر 2026، بحضور ممثل عن المؤسسة الفائزة.

مسار من التتويجات في خدمة الديمقراطية والسلم

وكان مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم قد أحدث جائزته الدولية سنة 2016، بهدف تكريم الشخصيات والمؤسسات التي قدمت إسهامات مؤثرة في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية والمصالحة والسلام والتسامح والحوار بين الشعوب والثقافات.

وشملت قائمة المتوجين السابقين شخصيات ومؤسسات من تجارب جغرافية وحقوقية متنوعة، من بينها حسين العباسي، الأمين العام الأسبق للاتحاد العام التونسي للشغل، تقديراً لدوره في الحوار الوطني وصون الانتقال الديمقراطي بتونس؛ ومؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط بإشبيلية، نظير جهودها في تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان.

كما مُنحت الجائزة لخوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، الرئيس الأسبق للحكومة الإسبانية، مناصفة مع عائشة الخطابي، تقديراً لإسهاماتهما في الحوار والذاكرة التاريخية وتعزيز التواصل بين المغرب وإسبانيا؛ ولخوان مانويل سانتوس، الرئيس الأسبق لكولومبيا والحائز جائزة نوبل للسلام، اعترافاً بدوره في مسار السلام والاعتراف بحقوق الضحايا.

وضمت قائمة المكرمين أيضاً نجاة فالو بلقاسم، تقديراً لمسارها في الدفاع عن المساواة ومناهضة التمييز؛ والدكتور ميغيل أنخيل رودريغيث ماكاي، وزير خارجية البيرو الأسبق، مناصفة مع الدكتور محمد الشيخ بيد الله، وزير الصحة الأسبق والرئيس السابق لمجلس المستشارين، تقديراً لمساريهما في خدمة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وشملت التتويجات كذلك مؤسسة الأرض البرازيلية «معهد تِيرّا»، مناصفة مع الائتلاف المغربي من أجل العدالة المناخية، اعترافاً بجهودهما في مجال البيئة والعدالة المناخية وصون الكرامة الإنسانية.

وفي سنة 2025، عادت الجائزة إلى الدكتور عمر عزيمان، مستشار صاحب الجلالة الملك، تقديراً لمساره الحقوقي والفكري والسياسي وإسهامه في تجربة الإنصاف والمصالحة.

ويأتي تتويج المركز الدولي للعدالة الانتقالية برسم سنة 2026 امتداداً لهذا المسار، بما يعزز البعد الدولي للجائزة، ويؤكد ارتباط الذاكرة بالعدالة والديمقراطية والسلم، باعتبارها رهانات متكاملة في بناء مجتمعات تحمي كرامة الإنسان وتتصدى للإفلات من العقاب.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button