‏12 ‏جهة‏آخر المستجداتالمجتمع

«يوغوسلافيا» و«كنيدي» و«فرنسا».. هل فقدت مراكش حقها في تسمية شوارعها من ذاكرتها؟

كش بريس/التحرير ـ

يبدو أن تدبير الشأن الجماعي بمراكش ما يزال عاجزاً عن استيعاب أن المدينة ليست مجرد طرقات وأرصفة وعناوين إدارية، وأن أسماء شوارعها وأحيائها وأزقتها جزء أصيل من ذاكرتها الجماعية وهويتها الثقافية والحضارية. فحين يتعلق الأمر بمدينة بحجم مراكش، ذات التاريخ الممتد لقرون، تصبح مسألة التسمية قضية ثقافية وتاريخية بامتياز، لا مجرد إجراء إداري يمر في اجتماعات المجالس الجماعية دون نقاش عمومي أو مساءلة.

والأغرب أن مراكش، المدينة التي تختزن واحدة من أغنى الذاكرات الحضارية في المغرب، ما تزال تحمل في عدد من أحيائها وشوارعها تسميات تبدو مقطوعة الصلة بسياقها التاريخي والثقافي، بل إن بعضها يستحضر أسماء ومرجعيات لا تكاد تقول شيئاً عن المدينة ولا عن علمائها ومبدعيها ورجالاتها ونسائها الذين صنعوا جانباً كبيراً من مجدها.

كيف يمكن تفسير أن تظل أسماء من قبيل «يوغوسلافيا» و«كنيدي» و«فرنسا» حاضرة في قاموس مراكش الحضري، بينما تختفي أو تُهمَّش أسماء شخصيات علمية وفكرية وأدبية وفنية وتاريخية تنتمي إلى المدينة والمغرب، ولها حضور حقيقي في الذاكرة الوطنية؟

السؤال هنا لا يتعلق بجمال الاسم أو غرابته، وإنما بمنطق إنتاج الذاكرة داخل الفضاء العمومي. فمن يملك سلطة تسمية الشارع يملك، في جانب من الجوانب، سلطة تحديد ما ينبغي أن يبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال، وما يمكن أن يُدفع إلى الهامش والنسيان.

من «يوغوسلافيا» إلى «كنيدي».. ذاكرة مستعارة في مدينة عريقة

لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل ليدرك المفارقة الصارخة: مدينة عريقة مثل مراكش، التي أنجبت واحتضنت علماء وفقهاء ومتصوفة ومؤرخين وأدباء وفنانين وسياسيين ومقاومين، لا تزال بعض فضاءاتها تحمل أسماء مستوردة من سياقات سياسية وجغرافية وثقافية بعيدة عن وجدانها المحلي.

وليس المقصود هنا الدعوة إلى محو كل اسم أجنبي من خريطة المدينة، فالتاريخ أكثر تعقيداً من هذه القراءة التبسيطية، وإنما المقصود هو مساءلة معايير الاختيار ومنطق التسمية وأولوياتها: لماذا تستمر أسماء لا تحمل علاقة واضحة بذاكرة مراكش، بينما لا تجد أسماء أبناء المدينة وعلمائها ومبدعيها مكاناً يليق بهم في الفضاء العام؟

الأمر يصبح أكثر إثارة للاستغراب حين يتعلق الأمر بأسماء ارتبطت، بشكل أو بآخر، بمرحلة الاستعمار أو بسياقات سياسية وثقافية خارجية، ثم استمرت في التداول بعد الاستقلال، وكأن المدينة لم تكن تملك ذاكرة خاصة بها تستحق أن تُستعاد وتُحتفى بها.

المدينة العتيقة.. حين انتصرت الذاكرة على العبث

والمفارقة أن المدينة العتيقة بمراكش تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً؛ فقد حافظت أحياؤها وأزقتها ودروبها على قدر كبير من أسمائها التاريخية، التي تشكل سجلاً حياً لتاريخ المدينة وتركيبتها الاجتماعية والمهنية والثقافية.

وراء هذا الاستمرار تقف، في جزء مهم منه، تعبئة ثقافية وفكرية قامت بها نخب مراكش وعلماؤها ومثقفوها وفاعلوها المدنيون، ممن أدركوا أن حماية المدينة لا تعني فقط ترميم جدرانها وأسوارها وصيانة معالمها، وإنما تشمل أيضاً حماية لغتها الرمزية وأسماء أمكنتها وذاكرتها الشعبية.

فالاسم هنا ليس لوحة معلقة على جدار أو رقماً في عنوان بريدي؛ إنه وثيقة تاريخية صغيرة، تختزن قصة مكان وشخص ومهنة وحرفة وحدث وذاكرة جماعية.

الكرة في ملعب المجلس الجماعي

لهذا تبدو مسؤولية المجلس الجماعي لمراكش واضحة في إعادة فتح ملف أسماء الأحياء والشوارع والأزقة، بعيداً عن الحسابات الظرفية والمجاملات الإدارية، ووفق رؤية ثقافية وتاريخية تستحضر خصوصية المدينة ومكانتها.

المطلوب ليس حملة عشوائية لمحو الأسماء واستبدالها بأخرى، وإنما مراجعة مؤسساتية وعلمية لخريطة التسمية الحضرية، بمشاركة المؤرخين والباحثين والمثقفين والمهتمين بتاريخ مراكش، وبما يضمن رد الاعتبار إلى أسماء الشخصيات والأحداث والرموز التي صنعت تاريخ المدينة والمغرب.

فهل يملك المجلس الجماعي الجرأة لفتح هذا الملف، أم ستظل «يوغوسلافيا» و«كنيدي» و«فرنسا» أكثر حضوراً في ذاكرة شوارع مراكش من علمائها ومثقفيها ومبدعيها؟

ذلك سؤال لا يحتاج إلى قرار إداري فقط، وإنما إلى وعي بأن المدينة التي تفقد أسماءها تفقد، بالتدريج، جزءاً من ذاكرتها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button