‏آخر المستجداتلحظة تفكير

أحمد الشهاوي: الكاتب خارجُ الصراط.. تجربة الانزياح

لستُ كذَّابًا ، لكنَّني أخلقُ أحلامًا ، أعيشُها وأسعى إلى تحقيقها ، لأنَّني في الأحلام أبني ، ولا أهدرُ دمَ الوقتِ أو أسيلُهُ على رمل الحياةِ الواقعيَّة التي تصدمني بقبح ما فيها .

وفي الأحلام يعيشُ الكاتبُ حيواتٍ كثيراتٍ ، ويكشفُ في اللغةِ التي يكتبُ بها لغاتٍ أكثرَ ، ويبقى مجازُهُ مشحوذًا ومشتعلا ، ولا يريد أن ينزلَ من حدائقه المعلقة ليلمس الأرض .

والكاتبُ ليس قطارًا يمشي على صراطه ، إذْ لابد منَ الخُروج ، ومنَ السقوط والنهوض من جديدٍ ، لابد له من أن ينطحَ حوائطَ السَّموات ، قبل أن ينطحَ حوائطَ الأرضِ ، وأن يكتبَ عما يعرفُ ، وإنْ لم يَكُن يعرفُ فعليه أن يخلقَ معرفتَهُ .

وأن يذهبَ إلى الشيء بطرقٍ شتَّى ، لأنَّ الشيءَ الواحدَ على عدد أنفاس البشر ، فمثلي يكتبُ لأنَّهُ لايستطيعُ أن يفعلَ أيَ شيءٍ آخرَ ، أو هكذا خُلق كاتبًا ، حاول أن يُخلِّص نفسَهُ من أي قيودٍ ، وحتى تحتِ وطأة القيودِ المفروضةِ اجتماعيًّا ونفسيًّا على الكاتب أن يخلُقَ حريتَه داخله ، لأنَّهُ ربما يكُونُ الكائنُ الوحيدُ على الأرض الذي يرأسُ نفسه ، ولا أحد سواه يتحكَّم في خياله .

ورغم أنَّ الكتابةَ هي عالمُ التوتر والقلقِ ، فهي نفسها تُوتِّرُ وتُقْلِقُ ، ولذا أفضِّلُ القراءةَ عليها ، وأتمنَّى لو كنتُ قارئًا فقط ، وما يُربكُني وأفكِّرُ فيه كثيرًا ، أنَّني سأموتُ دونَ أن أكْملَ قراءةَ ما اقتنيتُ من كتبٍ أحبُّ قراءتها ، وليس دونَ أن أكتبَ ما أريدُ ، وأنَّني سأمُوتُ وستصدرُ كتبٌ مهمةٌ بعد رحيلي ، للأسف لن أتمكنَ من قراءتها ، لأن دُودَ مقبرتي في القرية ، سيكونُ قد تغذَّى على نُور عينيَّ ، ومع ذلك لن يبصرَ ما وراء الأشياء كمثل صاحب النور .

ومنذ كنتُ في القرية حاولتُ ومازلتُ ، أن يكونَ طائري أو قِطِّي مختلفًا عن طيورِ أو قططِ الآخرين ، لأنهُ حقيقةً خارجٌ من رحم رُوحي ، سقيتهُ دمي ، وأطعمتُه لُغتي ، وتغذَّى على تجاربي ، لذا أحاولُ أن يكون شبيهي عندما يخرج منِّي ويمشي بين الناس ، وساعتها سيقولون هذا طائرُ أحمد ، أو هذا قطُّ أحمد .

ورغم فشلي في تكوين ثروةٍ من عملي في الصحافة تُعينني على الحياة ، فإنني نجحتُ بامتياز في تكوين ثروةٍ من الشَّك والقلقِ وعدم اليقينِ ، بل أراني دومًا ملكَ الصِّفْر ، وصرتُ من سنواتٍ أحبُّ الصِّفْرَ أكثر من حُبِّي للأرقام ، وربَّما لا يُنافسُ هذا الحب سوى حُبي لحرف الألف وعطفي الدائم على همزته المُعلَّقة والتي لا يُقدَّر لها أن تجلسَ أو تنامَ ، فقط خُلقت لتسهرَ على ألفها حامل الأسرار وشيخ الحروف .

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button