
كش بريس/التحرير ـ
خطا مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة خطوة جديدة في مساره التشريعي، بعدما صادقت عليه لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين بالأغلبية، في ختام نقاشات مطولة اتسمت بتباين المواقف حول عدد من مقتضياته التي ظلت محل جدل داخل الأوساط المهنية والقانونية منذ الكشف عن مضامينه الأولى.
وحصل المشروع على دعم ستة أعضاء من اللجنة، فيما اختارت أربعة أطراف برلمانية الامتناع عن التصويت، في مؤشر يعكس استمرار التحفظات بشأن بعض المقتضيات المرتبطة بمستقبل المهنة وآليات تدبيرها وتنظيمها.
وجاءت هذه المصادقة عقب أشغال لجنة فرعية تولت دراسة وفحص التعديلات المقترحة من قبل الفرق والمجموعات البرلمانية والأعضاء غير المنتسبين، بحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي، حيث تم التوافق على حزمة من التعديلات التي مست جوانب أساسية تتعلق بولوج المهنة وممارستها وتنظيم هياكلها التمثيلية وآليات الرقابة المالية عليها.
وشملت التعديلات المصادق عليها ما يقارب خمسين تعديلاً همّت عشرات المواد القانونية، في محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات تحديث المهنة والحفاظ على خصوصياتها المهنية والتنظيمية.
ومن أبرز المستجدات التي حملها النص رفع السن الأقصى لاجتياز مباراة الولوج إلى معهد تكوين المحامين من 45 إلى 50 سنة، في توجه يروم توسيع قاعدة الولوج إلى المهنة وفتح المجال أمام الكفاءات الراغبة في تغيير مساراتها المهنية في سن متقدمة نسبياً. كما تم توسيع دائرة المؤهلات المقبولة لاجتياز المباراة لتشمل خريجي كليات الشريعة إلى جانب خريجي كليات الحقوق، في خطوة تعكس توجهاً نحو تنويع الخلفيات الأكاديمية للمترشحين.
وفي إطار تثمين الخبرات المهنية المكتسبة داخل منظومة العدالة، صادقت اللجنة على تمكين فئة من موظفي هيئة كتابة الضبط من الاستفادة من إعفاءات خاصة تتعلق بشهادة الكفاءة وفترة التمرين، شريطة التوفر على شروط محددة من الأقدمية والمؤهلات العلمية واجتياز اختبار للتقييم، بما يسمح بإدماج خبراتهم المتراكمة داخل الجسم المهني للمحاماة.
أما على مستوى ممارسة المهنة، فقد حمل المشروع تعديلات لافتة تتعلق بحق الترافع أمام محكمة النقض، حيث تم تقليص مدة الأقدمية المطلوبة لفائدة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، مع منح إمكانية مماثلة لفئة من موظفي كتابة الضبط بعد استيفاء سنوات معينة من الممارسة المهنية، وهو ما اعتبره متتبعون توسيعاً لدائرة الكفاءات المؤهلة للتقاضي أمام أعلى هيئة قضائية بالمملكة.
وفي جانب آخر، سعى المشروع إلى تدقيق بعض المقتضيات المرتبطة بسير الجلسات القضائية، من خلال اعتماد صياغات أكثر تحديداً للمخالفات المهنية المحتملة، بما يضمن التوفيق بين حماية حرية الدفاع والحفاظ على هيبة الجلسات وانتظام أشغالها.
وعلى صعيد الحكامة المالية، شكل إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات أحد أبرز المستجدات التي حملها النص، إذ يروم هذا الإجراء تعزيز الشفافية وضمان سلامة التدبير المالي وتتبع مختلف العمليات المرتبطة بهذه الحسابات وفق الضوابط القانونية المعمول بها، بما ينسجم مع التوجه العام نحو ترسيخ مبادئ الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات المهنية.
كما أعاد المشروع صياغة قواعد التمثيلية داخل مجالس الهيئات المهنية، عبر مراجعة نظام الفئات الانتخابية وتقليصها، إلى جانب اعتماد معايير جديدة لتحديد عدد أعضاء المجالس وفق حجم كل هيئة، مع التنصيص على ضمان حد أدنى من التمثيلية لمختلف الدوائر القضائية التابعة لها.
ومن بين المستجدات التنظيمية كذلك، إقرار إمكانية تولي العضوية بمجلس الهيئة لأربع ولايات غير متتالية، مع فرض فترة فاصلة بين الولايات، في محاولة لتحقيق التوازن بين الاستمرارية في التدبير وتجديد النخب المهنية داخل المؤسسات التمثيلية للمحامين.
ورغم عبوره هذه المرحلة التشريعية، فإن مشروع قانون المحاماة لا يزال يثير نقاشاً واسعاً داخل الجسم المهني، بين من يعتبره خطوة نحو تحديث المهنة وتكييفها مع التحولات التي يعرفها قطاع العدالة، وبين من يرى أن بعض مقتضياته تستدعي مزيداً من الحوار والتوافق حفاظاً على استقلالية المهنة وخصوصيتها التاريخية. وهو ما يجعل من هذا النص أحد أكثر المشاريع القانونية إثارة للنقاش خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى ما يحمله من رهانات مهنية ومؤسساتية تتجاوز حدود التنظيم التقني للمحاماة إلى أسئلة أعمق ترتبط بموقع الدفاع داخل منظومة العدالة ودوره في تكريس دولة الحق والقانون.



