‏آخر المستجداتلحظة تفكير

السراج محمد الضو: مراكش.. حين يصبح المجد السياحي ستاراً لعجز المدينة

مراكش قبل التسعينيات كانت مدينة منهكة فقيرة بإمكانات سياحية هائلة، غير مستغلة. كانت الحكومات المتعاقبة تحول أغلب الاستثمارات العمومية والخاصة إلى الدار البيضاء وفاس فقط .. هكذا كانت الأمور تمشي منذ الاستقلال … في بداية السبعينيات كنت طالبا بمراكش، كان صانع بلغة مغربية يقضي أياما من أجل أن بجد من يقتنيها منه، أو صاحب ورشة لصنع أحزمة جلدية يقوم اليوم بالكامل وهو يجول وسط المدينة لبيع قطعة واحدة. كانت مدينة الفقر والفقراء والعمال والإبداع، وأيضا مدينة النكتة وجامع لفنا ..گولها وضحك عليها .. يعيشون بالكفاف والعفاف والغنى عن الناس ..!!؟؟

خلال سنوات الثمانينيات وبداية التسعينيات قبل مؤتمر الگاط، شهدت المدينة طفرة عمرانبة ، شيدت عشرات الفنادق والمؤسسات السياحية، بأموال واستثمارات أجنبية ضخمة فرنسية وإنجليزية وأمريكية وسعودية وإماراتية وغيرها، شغلت الآفا من اليد العاملة في مهن السياحة والقطاعات المرتبطة بها من خدمات. واستثمرت المقاولات الأروبية والفرنسية بالخصوص في إحياء مئات من دور الضيافة التي أعادت الألق للدور العتيقة الأيلة للسقوط، بدروب المدينة العتيقةً، بعد ترميمها وإصلاحها طبقا لعمارتها الأصلية، وشغلوا الآف المراكشيين والمراكشيات في العمل في هذه الدور طباخين وسائقين وبستانيين وغيرهم، واستثمروا أيضا في الصناعات التقليدية ..طوروا أشكالها التقليدية وصنعوا أشكالا جديدة مبتكرة من التراث التقليدي، ونوعوا ألوانها ووسعوا مصانع الخزف والجلد والصوف والحديد والقصب والخشب، ومئات المواد التي تدخل في الصناعات التقليدية، وحولوا منطقة سيدي غانم بالحي صناعي فتحوه لمجال التصدير إلى أوروبا والعالم. هذا الإبداع وهذه المصنوعات اليدوية الدقيقة التي تلقى رواجا في اليابان وأمريكا وأروبا وفي كل العالم لم تجد من يشتريها بعد أن توقف قلب مراكش عن النبض في سنتي كورونا في 2020 و 2021 ..

وجوه العالم الحالمة والجميلة وشخصيات الثراء الفاحش شيدوا قصورا كأنها الجنان في واحات مراكش بكل من الشويطر وطريق أوريكة وفي عشرات المواقع التي تواجه جبال الأطلس بشموخها الأبيض، ملوك ورؤساء دول سابقون ورؤساء شركات عابرة للقارات ورجال أعمال يابانيون وروس، أوروبيون وأمريكيون وعرب يزورن مراكش في فصول السنة الأربعة، منهم من يقيم في المامونية و المنصور الذهبي أو في قصره أو فيلته أو في الشقق الفاخرة بشارع محمد السادس .. ممثلات بقوام ممشوق ومغنون وفنانون قدامى وجدد يلتقون بمناسبة وبدونها في جامع الفنا، وفي أسواق السماربن، والرحبة، ورياض الزيتون، والملاح ..عشرات الأفلام أنجزتها العقول المبدعة، عباقرة السينما ونجومها الكبار مروا من هنا وتركوا آثارهم في فكر وروح الشباب .. قصور مراكش وڤللها وقباب فنادقها الفخمة نعقت فيها غربان الموت الأسود في سنتي كورونا..!!؟؟

مراكش الزاهية هذه لم تفقد ألقها بعد تعافيها من ويلات كورونا وقامت شامخة بعد الزلزال بفضل تضامن المغاربة ورؤية الملك الاستباقية …

مراكش كانت دائما حضرة ورقص بالدفوف، ناسها البسطاء بدقتهم المراكشية ولياليهم الصوفية ضاربينها بركلة .. كانوا يؤمنون ببركات رجالها وحراسها السبعة .. رجالها اليوم وغدا، هم من بناها بالأمس القريب وأعاد اليها الروح، هم رجال الأعمال المسيحيون واليهود ومن أثرياء العرب، اليهم يعود الفضل في مجدها .. عجز مراكش المزمن كان في تعامل الحكومات والأحزاب ومن يمثلهم الذين تعاقبوا على نهب مراكش، بين الأمس واليوم وربما غدا، بدل توفير بنى تحتية راقية والاستثمار في مستشفيات متخصصة ومدارس عمومية تليق بمدينة تطورت خارج المعتاد، بدل بناء الآف الشقق المعلبة بالجشع العقاري في أراضي الدولة، التي نهبها ذووا الجاه والنفود، وفي النهاية خذلوها وخدلوا الوطن لأن الوطن كله كان اسمه مراكش.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button