‏آخر المستجداتفنون وثقافة

السينما المغربية : 84 مهرجاناً و147 مشاركة دولية و37 جائزة..

ـ السينما المغربية تعزز حضورها محلياً وتراكم الاعتراف العالمي ـ

كش بريس/التحرير ـ

لم تعد السينما المغربية مجرد مجال لإنتاج الأفلام وعرضها، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة ثقافية متكاملة تتقاطع فيها رهانات الصناعة والإبداع والإشعاع الدولي. وتكشف حصيلة سنة 2025، وفق معطيات التقرير السنوي للمركز السينمائي المغربي، عن مرحلة جديدة في مسار هذا القطاع، عنوانها اتساع الحضور السينمائي داخل مختلف جهات المملكة، وتنامي قدرة الفيلم المغربي على فرض نفسه في المحافل الدولية.

فبينما توسعت شبكة المهرجانات والتظاهرات السينمائية لتشمل عشرات المدن المغربية، واصلت الأعمال الوطنية تسجيل حضور متقدم في أهم الملتقيات العالمية، سواء من خلال عدد المشاركات أو حجم التتويجات، بما يؤشر على تحول السينما المغربية من نشاط ثقافي متمركز حول بعض المحطات الكبرى إلى حقل إبداعي أكثر انتشاراً وتنوعاً.

وتحمل أرقام سنة 2025 دلالات تتجاوز المؤشرات الكمية، إذ تعكس تحولات عميقة في علاقة السينما بالمجتمع والمجال، وفي قدرة الفعل السينمائي على بناء جسور بين المحلي والعالمي، وبين الإنتاج الفني والرهانات الثقافية للمغرب، في سياق تتزايد فيه مكانة الصورة باعتبارها إحدى أدوات التأثير وصناعة الهوية.

وسجل المغرب خلال سنة 2025 تنظيم 84 مهرجاناً وتظاهرة سينمائية، من بينها 69 مهرجاناً استفادت من الدعم العمومي الذي يخصصه المركز السينمائي المغربي، مقابل 15 تظاهرة نظمت خارج منظومة التمويل الرسمي، وهو رقم يعكس حيوية غير مسبوقة في المشهد الثقافي، ويؤكد أن السينما أصبحت إحدى أكثر الفنون حضوراً في الأجندة الثقافية الوطنية.

وتظهر خريطة توزيع هذه المهرجانات أن النشاط السينمائي لم يعد محصوراً في المدن الكبرى، بل امتد إلى مختلف جهات المملكة، ليشمل مدناً مثل طنجة وتطوان وخريبكة وسلا ومكناس وأكادير ووجدة والداخلة وآسفي والرشيدية وزاكورة وتازة وكلميم وشفشاون وإيموزار كندر وأيت ملول وأولاد تايمة وبنجرير ووادي زم ومشرع بلقصيري وغيرها، وهو ما يعكس اتساع القاعدة الجغرافية للثقافة السينمائية ووصولها إلى فضاءات كانت إلى وقت قريب بعيدة عن هذا النوع من التظاهرات.

ورغم هذا الانتشار، تؤكد أرقام الدعم العمومي استمرار تركيز الجزء الأكبر من الميزانية على المهرجانات ذات البعد الدولي، حيث استحوذ المهرجان الدولي للفيلم بمراكش على دعم بلغ 12 مليون درهم، فيما حصل المهرجان الوطني للفيلم بطنجة على 7.5 ملايين درهم، ليستأثر المهرجانان معاً بما يقارب 19.5 مليون درهم، وهو ما يعكس مكانتهما باعتبارهما واجهة السينما المغربية وأبرز منصتين للتعريف بالإنتاج الوطني واستقطاب كبار الفاعلين في الصناعة السينمائية.

وفي المقابل، يظهر تفاوت واضح في مستويات التمويل بين المهرجانات الكبرى وباقي التظاهرات، إذ لم يتجاوز أعلى دعم بعد مراكش وطنجة 1.3 مليون درهم، خصص للمهرجان الدولي لسينما البحر الأبيض المتوسط بتطوان، بينما استفاد مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة من 1.2 مليون درهم، في حين تراوحت المنح الموجهة لغالبية المهرجانات الأخرى بين 50 ألفاً و300 ألف درهم، وهو ما يعكس تفاوتاً في الإمكانات المالية وحجم الرهانات التنظيمية بين مختلف التظاهرات.

ويكشف التقرير أيضاً عن تحول نوعي في طبيعة البرمجة السينمائية، بعدما لم تعد المهرجانات تقتصر على الفيلم الروائي، بل اتجهت نحو التخصص والانفتاح على قضايا وموضوعات متنوعة، تشمل سينما المرأة، والأفلام الوثائقية، وسينما التحريك، والسينما الأمازيغية، وأفلام الطفولة والشباب، والهجرة، والبيئة، والكوميديا، وسينما الجبل والبحر، والسينما المدرسية، إلى جانب التظاهرات التي تجمع بين السينما والفلسفة، بما يعكس تنوعاً متزايداً في العرض الثقافي واستهدافاً لشرائح مختلفة من الجمهور.

كما سجل التقرير استمرار المبادرات السينمائية المستقلة، من خلال تنظيم 15 تظاهرة خارج منظومة الدعم العمومي، احتضنتها مدن من بينها الرباط والدار البيضاء ومراكش والمحمدية ووزان وإنزكان والصويرة، وهو ما يؤكد الدور المتنامي للجمعيات والمؤسسات الثقافية في تنشيط الحياة السينمائية، بعيداً عن التمويل العمومي.

وعلى المستوى الدولي، واصل الفيلم المغربي تعزيز حضوره في أبرز المهرجانات العالمية، بعدما سجل 147 مشاركة خارجية خلال سنة 2025، من بينها 88 مشاركة ضمن المسابقات الرسمية، وهو مؤشر يعكس تنامي ثقة المهرجانات الدولية في جودة الإنتاج المغربي، وانتقاله من المشاركة الرمزية إلى المنافسة على الجوائز الكبرى.

ولم تقتصر هذه المشاركات على الحضور الشكلي، بل أثمرت 37 جائزة دولية، بمعدل يقارب جائزة واحدة مقابل كل أربع مشاركات، وهو ما يعكس تطور المستوى الفني والإبداعي للأعمال المغربية، وقدرتها على منافسة إنتاجات قادمة من مدارس سينمائية مختلفة.

وتصدر فيلم “Calle Malaga” للمخرجة مريم التوزاني قائمة الأعمال المغربية الأكثر تتويجاً بحصده ست جوائز دولية، يليه فيلم “Everybody Loves Touda” للمخرج نبيل عيوش بأربع جوائز، ثم فيلم “Algues Amères” للمخرج إدريس الشويكة بأربع جوائز أيضاً، إلى جانب النتائج المتميزة التي حققتها أفلام “Empreintes du vent” للمخرجة ليلى التريكي و**”La mer au loin”** للمخرج سعيد حاميش بن العربي، وهو ما يعكس تعدد التجارب الإبداعية القادرة على تمثيل السينما المغربية في الخارج.

كما تؤكد قائمة المشاركات الدولية أن الفيلم المغربي وسع مجاله الجغرافي بشكل لافت، بعدما حضر في مهرجانات أقيمت بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك والأرجنتين وأستراليا والهند وإندونيسيا وتركيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا وهولندا والسويد وبولندا واليونان، فضلاً عن حضوره المنتظم في الفضاءين العربي والإفريقي، بما يعزز مكانة المغرب داخل خريطة السينما العالمية.

وتبرز المعطيات أيضاً تنوع الإنتاج الوطني المشارك في الخارج، إذ شملت المشاركات الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، والأعمال الوثائقية، وهو ما يعكس تطور المنظومة السينمائية المغربية بمختلف مكوناتها، وعدم ارتباط نجاحها الدولي بنمط سينمائي واحد.

وتؤكد حصيلة سنة 2025 أن السينما المغربية تواصل ترسيخ موقعها كأحد أبرز القطاعات الثقافية دينامية داخل المملكة، مستفيدة من اتساع شبكة المهرجانات، وتزايد المبادرات المستقلة، واستمرار الدعم العمومي للتظاهرات الكبرى، إلى جانب الحضور المتنامي للأفلام المغربية في المهرجانات الدولية، وهي مؤشرات تعكس انتقال الصناعة السينمائية الوطنية إلى مرحلة أكثر نضجاً، تقوم على الجمع بين الإشعاع الثقافي، والانفتاح الدولي، وتوسيع قاعدة الجمهور داخل المغرب وخارجه.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button