
كش بريس/التحرير ـ
تحولت مناقشة مشروع قانون التصفية رقم 04.26 المتعلق بتنفيذ قانون المالية لسنة 2024، داخل لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة بمجلس النواب، إلى منصة لمساءلة الحكومة بشأن حصيلتها الاقتصادية والاجتماعية، بعدما اعتبرت مكونات المعارضة أن التحسن المسجل في المؤشرات المالية لم ينعكس على الواقع المعيشي للمواطنين، ولا على مؤشرات التشغيل وجودة الخدمات العمومية.
وخلال الاجتماع الذي حضره الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، شددت فرق المعارضة على أن نجاح السياسة المالية لا يقاس فقط بارتفاع المداخيل أو التحكم في العجز، بل بقدرتها على خلق فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وترجمة الاعتمادات المالية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
الاشتراكي: الأرقام وحدها لا تصنع النجاح
واعتبر الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية أن مشروع قانون التصفية يمثل محطة دستورية وسياسية لتقييم مدى وفاء الحكومة بالتزاماتها، مؤكداً أن جوهر النقاش لا يتعلق بصحة الحسابات المالية، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.
ورغم تثمينه لاحترام الحكومة آجال إحالة قانون التصفية وتحسن مؤشرات المالية العمومية، سجل الفريق استمرار اختلالات في تنفيذ الاستثمارات العمومية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، معتبراً أن ارتفاع الاعتمادات المالية يفقد معناه إذا لم يتحول إلى مشاريع منجزة وخدمات ذات جودة وفرص شغل حقيقية.
كما انتقد الفريق استمرار اللجوء إلى الاعتمادات الإضافية، مطالباً بتوضيحات حول الدعم العمومي الموجه للخطوط الملكية المغربية، إلى جانب مراجعة آليات التمويل المبتكرة، وتقييم النفقات الجبائية، وتقليص الحسابات الخصوصية، وتسريع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية.
وأكد أن الاستثمارات العمومية الضخمة لم تنجح في الحد من البطالة، خاصة في صفوف الشباب، مشدداً على أن المعيار الحقيقي للاستثمار هو أثره الاجتماعي وليس قيمته المالية.
وفي القطاع الفلاحي، اعتبر أن الدعم العمومي لم يحقق النتائج المنتظرة في ضبط الأسعار أو تحسين أوضاع الفلاحين الصغار، داعياً إلى تقييم السياسات الفلاحية وإصلاح سلاسل التسويق والتوزيع.
أما في قطاعي التعليم والصحة، فرأى أن ارتفاع الميزانيات لم ينعكس على جودة الخدمات، في ظل استمرار الخصاص في الموارد البشرية واتساع الفوارق المجالية، كما انتقد بطء تنزيل برامج الحماية الاجتماعية وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، معتبراً أن الحصيلة الحكومية اتسمت بـ”كثرة الوعود وقلة الإنجاز”.
ودعا الفريق إلى استثمار ورش تنظيم كأس العالم 2030 لإطلاق إصلاحات هيكلية شاملة تشمل مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.
الفريق الحركي: معيار النجاح هو حياة المواطنين
من جهته، اعتبر الفريق الحركي أن قانون التصفية لا يقتصر على مطابقة الحسابات، بل يشكل أداة دستورية لمراقبة تنفيذ السياسات العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأكد أن المرحلة تقتضي الانتقال من تقييم النوايا إلى تقييم النتائج، متسائلاً عن مدى نجاح الحكومة في تحقيق أهدافها المتعلقة بالتشغيل وتقليص الفوارق وتحسين الخدمات العمومية.
وشدد الفريق على أن الحفاظ على التوازنات المالية يظل غير كافٍ إذا لم ينعكس في مدرسة عمومية ذات جودة، ومستشفى قادر على الاستجابة لحاجيات المواطنين، وإدارة أكثر فعالية، واقتصاد يوفر فرص شغل تحفظ الكرامة.
كما أكد أن البرلمان مطالب، من خلال مناقشة قانون التصفية، باستخلاص الدروس من تنفيذ السياسات العمومية، ومواصلة مراقبة نجاعة الإنفاق العمومي وربط الاعتمادات بالنتائج المحققة.
التقدم والاشتراكية: اختلالات في الإنفاق وضعف في الأثر الاقتصادي
بدوره، اعتبر فريق التقدم والاشتراكية أن مناقشة مشروع قانون التصفية تشكل مناسبة لتقييم مدى احترام الحكومة لتعهداتها، مشيراً إلى أن الإشكال لا يكمن في المؤشرات المالية، وإنما في محدودية أثرها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وسجل الفريق تحسن المداخيل الجبائية وتراجع العجز إلى 3.8 في المائة، معتبراً أن هذه النتائج ارتبطت، جزئياً، بارتفاع الأسعار وتحسن التحصيل الضريبي والحصيلة الاستثنائية للتسوية الطوعية.
غير أنه انتقد ما وصفه بضعف جودة الإنفاق العمومي، معتبراً أن برامج الدعم، وعلى رأسها دعم استيراد اللحوم والمواشي، لم تحقق أهدافها في خفض الأسعار أو حماية القدرة الشرائية، مطالباً بفتح باب المحاسبة أمام كل من استفاد من المال العام دون تحقيق النتائج المرجوة.
كما دعا إلى تسريع إصلاح المؤسسات العمومية، ومراجعة آليات التمويل المبتكرة، محذراً من استمرار ارتفاع الدين العمومي بالقيمة المطلقة، رغم تراجع نسبته إلى الناتج الداخلي الخام.
وأكد الفريق أن المغرب مطالب بإعادة توجيه نموذجه الاقتصادي نحو تعزيز التصنيع، وتحقيق السيادة الغذائية والطاقية والدوائية، مع مراجعة اتفاقيات التبادل الحر التي لا تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وسجل أيضاً ضعف تنفيذ الاعتمادات الاستثمارية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، داعياً إلى تطوير منظومة تقييم الأداء وربط الإنفاق العمومي بالنتائج، فضلاً عن تفعيل توصيات المجلس الأعلى للحسابات المتعلقة بالنفقات الجبائية والحسابات الخصوصية.
كما أثار تساؤلات بشأن وتيرة إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، وتأخر استكمال ورش الحماية الاجتماعية وإصلاح أنظمة التقاعد، إلى جانب استمرار الفوارق المجالية وضعف الإمكانات المالية للجماعات الترابية.
المعارضة: المؤشرات المالية لا تكفي دون أثر اجتماعي ملموس
وأجمعت مكونات المعارضة، رغم اختلاف زوايا تقييمها، على أن المؤشرات الإيجابية التي قدمتها الحكومة بشأن تنفيذ ميزانية 2024 لا يمكن أن تشكل معياراً وحيداً للحكم على نجاح السياسات العمومية، معتبرة أن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرتها على تحسين مستوى عيش المواطنين، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليص البطالة والفوارق المجالية، وترجمة النمو المالي إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.





