
أثارت التصريحات التي أدلت بها رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أمينة بوعياش، من داخل مقر البرلمان الفرنسي، بشأن تطلعها إلى إلغاء عقوبة الإعدام في المغرب، أسئلة تتجاوز مضمون الموقف الحقوقي إلى طبيعة الأدوار الدستورية للمؤسسات وحدود الترافع في قضية ما تزال من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا داخل المجتمع المغربي.
ففي الوقت الذي اعتبرت فيه رئيسة المجلس أن احتضان المغرب للمؤتمر الدولي العاشر لإلغاء عقوبة الإعدام يشكل محطة متقدمة في مسار الانخراط في المنظومة الحقوقية الدولية، وأن التصويت المغربي سنة 2024 لصالح القرار الأممي الداعي إلى الوقف الكوني لتنفيذ العقوبة يمثل خطوة تنتظر استكمالها بقرار تشريعي صريح، بدا خطابها، بالنسبة لعدد من المتابعين، وكأنه يقدم خلاصات نهائية في قضية لم يُحسم فيها بعد على المستويات المجتمعية والتشريعية والمؤسساتية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمناقشة مشروعية الدفاع عن الحق في الحياة، وهو حق يكفله الدستور المغربي، ولا بالطعن في حق المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الترافع حول القضايا الحقوقية، وإنما بطرح سؤال أكثر عمقًا: هل يملك أي فاعل مؤسساتي أن يقدم إلغاء عقوبة الإعدام باعتباره أفقًا محسومًا، بينما لا يزال الموضوع محل نقاش سياسي وفقهي وتشريعي مفتوح، وترتبط بعض جوانبه بمرجعيات دستورية ودينية وقيمية لا يمكن تجاوزها؟ فالحديث عن عقوبة الإعدام في المغرب لا يندرج ضمن الملفات الحقوقية البسيطة التي يكفي فيها استحضار المعايير الدولية، بل يتعلق بقضية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الجنائي، والسياسة التشريعية، والالتزامات الدولية، والمرجعية الإسلامية التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة، في ظل إمارة المؤمنين باعتبارها الضامن لحماية الدين والسهر على ثوابته.
ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول مستقبل هذه العقوبة يظل، بطبيعته، نقاشًا وطنيًا واسعًا، لا يمكن اختزاله في مواقف حقوقية، مهما بلغت مشروعيتها، ولا في مؤشرات دولية تقيس عدد الدول التي أوقفت تنفيذ العقوبة أو ألغتها، لأن خصوصية التجربة المغربية ظلت دائمًا قائمة على التوفيق بين الانفتاح على المنظومة الكونية لحقوق الإنسان وبين احترام الثوابت الدستورية والهوية الدينية للمملكة. صحيح أن المغرب لم ينفذ أحكام الإعدام منذ سنوات طويلة، وأنه صوّت لأول مرة لصالح القرار الأممي المتعلق بالوقف الكوني لتنفيذها، غير أن هذا التطور لا يعني بالضرورة وجود توافق وطني على الإلغاء النهائي، ولا يفيد بأن المؤسسة التشريعية حسمت موقفها، أو أن المجتمع المغربي أنهى نقاشه حول الموضوع.
كما أن تقديم احتضان المغرب للمؤتمر الدولي باعتباره مؤشرا على انتقال المملكة إلى مرحلة جديدة في هذا الملف قد يفتح الباب أمام تأويلات سياسية وحقوقية تتجاوز ما تعكسه الوقائع القانونية القائمة، خاصة وأن النصوص الجنائية المغربية ما تزال تنص على عقوبة الإعدام في عدد من الجرائم، ولم يصدر إلى اليوم أي تعديل تشريعي يلغيها. إن قوة المؤسسات الدستورية لا تقاس فقط بقدرتها على الترافع عن القضايا التي تؤمن بها، بل أيضًا بمدى حرصها على احترام طبيعة الملفات التي تستوجب توافقًا وطنيًا واسعًا، وتقتضي إشراك مختلف الفاعلين، من المؤسسة التشريعية، والهيئات العلمية، والجامعات، والحقوقيين، والقوى السياسية، والرأي العام، في نقاش هادئ ومسؤول.
ولهذا، فإن مستقبل عقوبة الإعدام في المغرب لا ينبغي أن يرسمه منطق الاستعجال أو ضغط المؤتمرات الدولية، بل مسار وطني رصين يستحضر التزامات المملكة الدولية، ويصون في الآن ذاته ثوابتها الدستورية والدينية، تحت القيادة الدستورية لأمير المؤمنين، باعتبارها المرجعية الضامنة للتوازن بين قيم الانفتاح وخصوصية النموذج المغربي.





