
كش بريس/خاص ـ في إنجاز يعيد رسم حدود معرفتنا بالكون، أعلن علماء الفلك عن إتمام أكبر خريطة ثلاثية الأبعاد وأكثرها دقة على الإطلاق، بعد مسار بحثي امتد لخمسة أعوام، كاشفا عن معطيات غير مسبوقة قد تعيد صياغة فهمنا لبنية الكون ومصيره.
خريطة كونية غير مسبوقة
اعتمد المشروع على جهاز مطياف الطاقة المظلمة (DESI)، المزود بـ5000 ليف بصري، رصدت مناطق واسعة من السماء بدقة فائقة، مكنت من توثيق أكثر من 47 مليون مجرة و20 مليون نجم.
ويمثل هذا الإنجاز قفزة نوعية، إذ يفوق حجم البيانات المجمعة مجموع كل القياسات السابقة، ما يضع بين أيدي العلماء صورة ثلاثية الأبعاد للكون تمتد إلى أكثر من 11 مليار سنة ضوئية، أي إلى مراحل مبكرة من نشأته.
دقة تقنية مذهلة
عملت أذرع آلية متناهية الدقة على توجيه الألياف البصرية نحو مصادر الضوء الكوني، مع هامش خطأ لا يتجاوز أجزاء ضئيلة من سمك الشعرة، حيث كانت تعيد ضبط مواقعها كل 20 دقيقة.
وقد جرى تحليل الضوء الملتقط عبر أجهزة مطيافية متطورة، مكّنت من تحديد مواقع الأجرام وسرعاتها وتركيبها الكيميائي، ما أفضى إلى بناء خريطة كونية شديدة التفصيل.
مشروع عالمي لفهم المجهول
يقف وراء هذا المشروع تعاون علمي دولي ضخم، ضم أكثر من 900 باحث من نحو 70 مؤسسة، بهدف فك لغز الطاقة المظلمة، تلك القوة الغامضة التي تشكل قرابة 70% من الكون، وتتحكم في تسارع توسعه.
مؤشرات تُربك اليقين العلمي
أظهرت المعطيات الأولية أن الطاقة المظلمة، التي كان يُعتقد أنها ثابتة، قد تكون في حالة تغير. هذا الاكتشاف، إن تأكد، قد يقلب التصورات السائدة حول توازن الكون بين المادة والطاقة، وبالتالي حول مستقبله ونهايته.
نحو مرحلة تحليل حاسمة
رغم انتهاء عمليات الرصد، فإن العمل الحقيقي يبدأ الآن، حيث سيشرع العلماء في تحليل الكم الهائل من البيانات، على أن تصدر النتائج الأولى الشاملة بحلول عام 2027.
وقد فاق المشروع كل التوقعات، إذ جمع بيانات أكثر بكثير مما كان مخططا له، ما أتاح إعادة مسح بعض المناطق واكتشاف تفاصيل إضافية.
آفاق توسع علمي جديد
يخطط الفريق ابتداء من 2028 لتوسيع نطاق المسح ليشمل مساحات أكبر من السماء، مع التركيز على دراسة أنواع جديدة من المجرات، مثل “المجرات الحمراء المتوهجة”، إضافة إلى المجرات القزمة والتيارات النجمية، بهدف تعميق فهم بنية الكون.
ما هي الطاقة المظلمة؟
الطاقة المظلمة مفهوم فيزيائي يُستخدم لوصف قوة غير مرئية تدفع الكون إلى التوسع المتسارع.
وقد بدأ هذا اللغز يتشكل منذ عام 1998، عندما أظهرت الملاحظات الفلكية أن الكون لا يتباطأ كما كان يُعتقد، بل يتسارع في توسعه، في ظاهرة لا تزال تفتقر إلى تفسير نهائي.
خاتمة
لا تمثل هذه الخريطة مجرد إنجاز تقني، بل لحظة إبستمولوجية فارقة، حيث يتحول الكون من موضوع للرصد إلى سؤال مفتوح على احتمالات لا نهائية. وبينما يقترب العلم من فك بعض أسراره، يبدو أن كل إجابة جديدة لا تفعل سوى تعميق الغموض، مؤكدة أن فهمنا للكون لا يزال في بدايته.





