
ـ كتب: خالد النصيري ـ
رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تطبع الاقتصاد العالمي، والتقلبات التي تشهدها أسواق العمل في عدد من البلدان الأوروبية التي تحتضن أكبر الجاليات المغربية، واصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج تسجيل مستويات قياسية، مؤكدة مرة أخرى مكانتها كأحد أكثر مصادر العملة الصعبة استقراراً وقدرة على دعم التوازنات المالية للمملكة.
وتبرز المعطيات الصادرة عن مكتب الصرف أن الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 حملت مؤشرات إيجابية جديدة، سواء على مستوى تحويلات الجالية أو مداخيل قطاع السياحة، بما يعكس استمرار متانة الموارد الخارجية للمغرب، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد العالمي.
50 مليار درهم في خمسة أشهر.. أداء يتجاوز التوقعات
بحسب النشرة الشهرية للمبادلات الخارجية الصادرة عن مكتب الصرف، بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج إلى غاية متم ماي 2026 نحو 50.22 مليار درهم، مقابل 46.16 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة تناهز 4.06 مليارات درهم، ونمو سنوي بلغ 8.8 في المائة.
وتؤكد هذه الأرقام أن التحويلات لم تعد مجرد مورد موسمي يرتبط بالعطل الصيفية أو المناسبات الدينية، بل أصبحت تدفقات مالية منتظمة تحافظ على منحى تصاعدي، رغم التحديات الاقتصادية التي تواجهها بلدان الاستقبال، وعلى رأسها ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي في أوروبا.
رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني
تتجاوز أهمية تحويلات الجالية بعدها الاجتماعي، باعتبارها مورداً أساسياً لإعالة ملايين الأسر المغربية، لتتحول إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد الكلي، بالنظر إلى مساهمتها المباشرة في تعزيز احتياطات المملكة من العملة الصعبة، وتحسين ميزان الأداءات، والحد من الضغوط على الحساب الجاري.
كما تشكل هذه التحويلات مصدراً أكثر استقراراً مقارنة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة أو التدفقات المالية قصيرة الأجل، التي تظل أكثر تأثراً بالتقلبات الدولية والظروف الجيوسياسية.
ويرى عدد من الخبراء أن هذه الدينامية تعكس استمرار ارتباط أفراد الجالية المغربية ببلدهم الأم، ليس فقط من خلال الدعم الأسري، بل أيضاً عبر المساهمة في تمويل الاستثمار العقاري والمقاولات الصغرى والمشاريع الإنتاجية، وهو ما يمنح هذه التحويلات بعداً تنموياً يتجاوز بعدها الاستهلاكي.
السياحة تعزز مكاسب العملة الصعبة
ولم تكن تحويلات الجالية المؤشر الإيجابي الوحيد الذي حملته معطيات مكتب الصرف، إذ واصل قطاع السياحة بدوره تحقيق نتائج قوية، بعدما سجل ميزان الأسفار فائضاً بلغ نحو 40 مليار درهم حتى نهاية ماي 2026، بارتفاع بلغت نسبته 19.4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ويعود هذا الأداء، أساساً، إلى الارتفاع الملحوظ في مداخيل السفر التي بلغت 53.76 مليار درهم، مسجلة نمواً بنسبة 14.6 في المائة، مقابل ارتفاع محدود في نفقات السفر إلى الخارج التي لم تتجاوز 13.77 مليار درهم، بزيادة قدرها 2.7 في المائة.
وتعكس هذه المؤشرات استمرار الزخم الذي يعرفه القطاع السياحي، في ظل الارتفاع المتواصل لأعداد الوافدين وتحسن الإنفاق السياحي، وهو ما يرسخ مكانة السياحة كأحد أبرز مصادر العملة الصعبة إلى جانب تحويلات الجالية والصادرات الصناعية.
ثنائية الجالية والسياحة.. دعامة للاستقرار المالي
وتؤشر الأرقام الجديدة إلى أن الاقتصاد المغربي يواصل الاستفادة من مصدرين أساسيين للنقد الأجنبي، يتمثلان في تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج ومداخيل السياحة، وهو ما يمنح السلطات المالية هامشاً أكبر للحفاظ على استقرار الاحتياطات الرسمية من العملات الأجنبية، وتأمين تمويل الواردات، والحد من الضغوط على سعر صرف الدرهم.
كما تسهم هذه التدفقات في دعم الثقة في الاقتصاد الوطني، خاصة في سياق دولي يتسم بتباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف التمويل، وتزايد المخاطر الجيوسياسية التي تؤثر على حركة التجارة والاستثمار.
التحدي المقبل… تحويل التحويلات إلى استثمار منتج
ورغم الأداء الإيجابي الذي تعكسه المؤشرات، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على الحفاظ على نمو تحويلات الجالية، بل يتمثل في رفع مساهمتها في الاستثمار المنتج وخلق القيمة المضافة.
فجزء مهم من هذه التحويلات ما يزال يوجه إلى الاستهلاك أو الاستثمار العقاري، بينما يظل توجيهها نحو تمويل المقاولات والابتكار والاقتصاد الأخضر والصناعات ذات القيمة المضافة محدوداً، وهو ما يدفع إلى التفكير في آليات جديدة لتحفيز مغاربة العالم على الاستثمار في المشاريع الإنتاجية، عبر حوافز ضريبية ومالية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتطوير أدوات تمويل موجهة خصيصاً للجالية.
وفي المقابل، يظل الحفاظ على جاذبية الوجهة المغربية بالنسبة للسياح، وتعزيز تنافسية القطاع، عاملاً حاسماً لضمان استمرار هذا الأداء الإيجابي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى التي تستعد المملكة لاحتضانها، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، والتي ينتظر أن تمنح دفعة إضافية لمداخيل السياحة والاستثمارات المرتبطة بها.
وفي المحصلة، تؤكد معطيات الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 أن المغرب يواصل تعزيز موارده من العملة الصعبة عبر ركيزتين أساسيتين: الجالية المغربية بالخارج والسياحة. وإذا كانت الأرقام الحالية تعكس متانة هذه الموارد، فإن الرهان الاستراتيجي خلال السنوات المقبلة سيكون هو الانتقال من منطق تعبئة الموارد إلى توظيفها في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على خلق الثروة ومناصب الشغل، وتحقيق نمو مستدام أقل ارتهاناً بالظرفية الدولية.





