‏آخر المستجداتقضايا العدالة

محكمة النقض تحسم نزاعا عقاريا عمره نحو ثلاثة عقود وترفض طعن ورثة البائع

كش بريس/التحرير ـ

حسمت محكمة النقض نزاعاً عقارياً تعود جذوره إلى سنة 1996، بعدما رفضت طلباً تقدّم به ورثة بائع للطعن في حكم قضى بإتمام بيع نصف عقار شائع، معتبرة أن الالتزامات الناشئة عن العقد تظل قائمة في مواجهة الورثة باعتبارهم خلفاً عاماً للمورث، ما لم يثبت قانوناً ما يحول دون امتداد آثارها إليهم.

وتعود تفاصيل القضية إلى دعوى رفعها المشتري أمام المحكمة الابتدائية بالرباط، طالب من خلالها بإتمام إجراءات بيع وتسليمه العقد النهائي المتعلق بنصف عقار شائع، كان مخصصاً، بحسب وقائع الملف، لإقامة مدرسة أو فيلات.

واستند المدعي في طلبه إلى وعد بالبيع أبرمه سنة 1996 مع مورث الطاعنين، مقابل ثمن متفق عليه أدى منه جزءاً، على أن يتم إيداع باقي المبلغ عند تحرير العقد النهائي.

حكم ابتدائي يقضي بإتمام البيع

وقضت المحكمة الابتدائية لصالح المشتري، وأمرت بإتمام البيع، معتبرة حكمها بمثابة عقد نهائي قابل للتقييد بالرسم العقاري. وبعد استئناف الحكم، أيدت محكمة الاستئناف بالرباط الموقف نفسه، الأمر الذي دفع ورثة البائع إلى اللجوء إلى محكمة النقض للطعن في القرار.

وركز الطاعنون، ضمن دفوعهم، على مسألة عدم احترام المشتري لالتزاماته المتعلقة بإيداع باقي الثمن داخل الأجل المتفق عليه، معتبرين أن ذلك كان من شأنه التأثير في صحة المطالبة بإتمام البيع.

غير أن محكمة النقض لم تستجب لهذا الدفع، موضحة، وفق وقائع القرار كما عرضت في الملف، أن الدعوى المتعلقة بإتمام البيع قدمت في سياق زمني لاحق للقرارات السابقة التي استند إليها الطاعنون، وبالتالي فإن النعي المؤسس على تلك الوقائع لم يكن قائماً على أساس قانوني سليم.

جدل حول طبيعة العقد والحجز التحفظي

وأثار ورثة البائع كذلك دفعاً يتعلق ببطلان العقد بدعوى جمعه بين مقتضيات البيع وأحكام مرتبطة بالشركة، فضلاً عن إثقال العقار بحق انتفاع ووجود حجز تحفظي عليه.

لكن المحكمة رفضت هذا التصور، معتبرة أن مجرد الإشارة في الاتفاق إلى اشتراك الطرفين في إنجاز مشروع لا تكفي لإثبات قيام شركة باطلة، وأن الأمر يتعلق بشروط مرتبطة باستغلال العقار والبناء عليه في إطار ما يسمح به الترخيص، دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاط الالتزام الأصلي المتعلق بالبيع.

كما تناولت محكمة النقض أثر الحجز التحفظي على التصرف العقاري، وانتهت إلى أن الحجز لم يرد على العقار إلا بعد إبرام التصرف محل النزاع، وهو ما يجعل التمسك به لإبطال البيع غير قائم على أساس.

وبحسب التعليل المعتمد في القضية، فإن الحجز الذي نشأ لاحقاً للتصرف لا يمكن أن يمحو آثاره السابقة، كما أن وجود الحجز لا يحول، في حد ذاته، دون انتقال الملكية متى تم تنفيذ الالتزامات المترتبة عن البيع، بما فيها أداء أو إيداع باقي الثمن وفق الشروط القانونية والتعاقدية.

وتنسجم هذه النقطة مع القواعد العامة التي تجعل الحجز التحفظي وسيلة احترازية لحماية حقوق الدائن، وليس بالضرورة سبباً تلقائياً لإبطال التصرفات السابقة عليه؛ كما أن المنازعة في تعسف الحجز أو التقييد الاحتياطي تقتضي إثبات شروطها أمام الجهة القضائية المختصة.

التزام المورث يمتد إلى خلفائه

وفي جوهر النزاع، أكدت محكمة النقض أن محكمة الموضوع طبقت الأثر القانوني للعقد في مواجهة ورثة البائع، باعتبارهم خلفاً عاماً له، مستندة إلى الفصل 229 من قانون الالتزامات والعقود.

وينص هذا الفصل على أن الالتزامات لا تنتج آثارها بين المتعاقدين فقط، وإنما تمتد كذلك إلى ورثتهما وخلفائهما، ما لم يكن هناك نص أو اتفاق أو طبيعة للالتزام تمنع ذلك، مع تحديد مسؤولية الورثة في حدود أموال التركة ونصيب كل واحد منهم.

وبذلك، اعتبرت المحكمة أن وفاة البائع لا تنهي تلقائياً الالتزامات التي سبق أن ارتبط بها، ولا تمنح الورثة حق التنصل من الآثار القانونية للعقد لمجرد انتقال ملكية العقار إليهم عن طريق الإرث.

رفض الطعن وتحميل الورثة المصاريف

وانتهت محكمة النقض إلى أن القرار المطعون فيه لم يتضمن تحريفاً لإرادة الأطراف، وأن محكمة الموضوع استخلصت الوقائع وطبقت عليها القواعد القانونية الواجبة التطبيق، بما في ذلك آثار العقد تجاه الخلف العام.

وبناء على ذلك، قضت المحكمة برفض طلب النقض وتحميل الطاعنين الصائر، ليُسدل بذلك الستار القضائي على نزاع عقاري تعود بدايته إلى عقد أبرم قبل نحو ثلاثة عقود.

ويبرز القرار، من الناحية القانونية، أهمية مبدأ استمرارية الالتزام التعاقدي بعد وفاة أحد أطراف العقد، وحدود تأثير الإجراءات التحفظية اللاحقة على التصرفات السابقة، فضلاً عن الدور الذي يضطلع به الفصل 229 في حماية استقرار المعاملات وعدم جعل انتقال التركة سبباً تلقائياً للتنصل من الالتزامات التي التزم بها المورث خلال حياته.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button