
هناك عامل أو مُحرّكٌ آخر مهم جدّا، يمكن أن نقول بأنه يحفّز المغاربة على الهجرة، ونادرا ما يلتفت إليه الباحثون في سوسيولوجيا الهجرة بالمغرب، طبعا إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية، وفي غياب أي رهان سياسي يستطيع أن يبلور طموح الناس وليمنحهم الأمل في إمكانية تحسين تلك الأوضاع والخروج من وضعية انتظار المعجزات لقلب الأوضاع الاجتماعية
وهذا العامل والحافز هو صورة المهاجر في ذهن المغاربة وتَمَثُّل الانسان المغربي للهجرة، لقد تَتَشكَّلت صورة مُغرِية للخارج في ذهنه وبنى للمهاجر إلى الخارج تَمثُّلٌا جذّابَا، وتتشكّل هذه الصورة والتّمثل ذهن المواطن المغربي منذ البدايات الاولى لِتَشَكّل وعيه.
فالمهاجرون إلى الخارج في ذهن كل مغربي(ة) منذ الستينيات والسبعينيات والثمانينيات هو ذلك الشابّ الامي الفقير، والمحظوظ الذي ساق له القدر، ضابطا استعماريا اسمه “فليكس موغا” فأنقذه من الفقر والحرمان، بأن نقله إلى فرنسا، فصار يعمل مناجم الفحم بالشمال الفرنسي أو في معامل الصلب أو في مصانع رونو والبوجو وسيتروين، ثم انتقل بعد ذلك إلى هولاندا أو بلجيكا باحثا عن آفاق جديدة وواعدة، وكان مواظبا على زيارة أهله بالمغرب في صيف كل سنة، بلباس أنيق وبسيارة جديدة، مملوءة بمختلف السّلع الفرنسية التي لا تُباع في المغرب، ويأتي كذلك محمّلا بالهدايا لكل أقرباءه، وصار يملك منزلا عصريا أنيقا في القرية وآخر في المدينة، كما نقل أسرته الصغيرة لتعيش معه في الخارج، وعمل على انقاذ بعض أفراد عائلته بتسفيرهم إلى الخارج، وبأن دبّر لهم في أوراق الإقامة أوفي فرص الشغل، وكلما عاد الى أرض الوطن يعود مُعزّزا ومُكرّما، وبعدما كَبُر وتقدّم في العمر صار متقاعدا بمعاش محترم.
ومنذ التسعينيات إلى اليوم تغيّر تَمَثُّلُ المهاجرين المغاربة في الخارج وتَحسنت صورتهم وتنوّعت أكثر في ذهن الشباب المغربي الفقير(ضحايا الهدر المدرسي)، فلم يعد هؤلاء المهاجرون يُسمّون ب”العمال المغاربة في الخارج”، ولم يقتصروا على الهجرة إلى فرنسا وهولندا وبلجيكا فقط، وإنما صاروا “مغاربة العالم” وموزعين في كل دول أوروبا، ووصلوا إلى أمريكا(كرين كارط) وكندا واستراليا،
ولم يبقوا عُمالا في المناجم والمصانع فقط بل صاروا تُجّارا و حِرَفيين وطلبة ومهندسين وصحافيين وإعلاميين وأساتذة وفنانين وكُتاب ولاعبي كرة القدم وأطباء ومدراء وموظفين في القطاعات العمومية بهذه الدول، وتحسّن مستواهم المعاشي، والكثير منهم تجنّسوا في تلك الدول، وصار لهم أبناء أصبحوا عالميين في الرياضة والفن والثقافة والعلم. وبذلك تعددت الصوّر الناجحة للمهاجر، اغتنى التَّمثّل الجذّاب بنماذج أخرى وبروفايلات جديدة من النّجاح.
ومما غَدّى وأنعش هذا التمثل فصار جاذبا أكثر وجذّابا بقوة أكبر، وجعل هذه الصورة مُغرية أكثر في نفوس وأذهان الشباب، خلال الفترة الأخيرة، هو ما ناله قطاع كرة القدم في المغرب، إعلاميا وتسويقا تمويلا، من اهتمام زاد على حدّه، وجعله يُحقق انجازات كروية غير مسبوقة، قاريا وإقليميا وعالميا، بتنظيم كأس افريقيا وشبه الفوز بها، وبُلوغ النصف والربع في كأس العالم خلال دورتين20022\2026، والاستعداد للمشاركة في تنظيم نهائياته سنة 2030، وكلّ هذا الاهتمام الكبير والانجازات الكروية غير المسبوقة، كان محورها منتخبات لكرة القدم عمودها الفقري من أبناء المهاجرين من الجيل الثالث، ومنهم “أبناء الحرّاكة” في مختلف الدول الاوروبية، ومع صور هؤلاء النجوم من أبناء المهاجرين، صار حلم الكثير من الشباب المغربي الفقير(ضحايا الهدر المدرسي) أن يهاجر ، وعلى الأقل إذا لم يتمكن هو من أن يصير نجما كرويا بارزا في أحد الاندية الاوروبية، لان ذلك مستبعد جدا، هو أن يشكّل اسرة ويُنجب ابنا ويجعل منه نجما كرويا مثل حكيمي أو زياش أو مزراوي أو بونو أو نصيري أو دياز، ولما لا مثل لامين جمال.
إن الطريقة التي تُدبّر بها كرة القدم بالمغرب والصورة التي تُسَوّقُ وتُقدَّمُ بها انجازاتها إعلاميا، لا يمكن إلا أن تَصُبّ الزيت على حطب الهجرة والحريك، الذي تراكم منذ عقود. ففي الوقت الذي يعتقد فيه الماسكون بالقرار الكروي أنهم يستطيعون توظيف كرة القدم في إلهاء الآلاف من الشباب المغربي عن أوضاعهم الاجتماعية المزرية، وإبعادهم عن الانشغال بقضايا الشأن العام وقضايا الحكم وتوزيع الثروة، فإنهم كذلك، وبدون وعي طبعا، يغدّون المخيال الاجتماعي (فونطازم ) لهؤلاء الشباب بصور من النجاحات الكبير لأبناء المهاجرين(معظم نجوم المنتخبات الوطنية أبناء مهاجرين والحراكة المقيمين في الخارج)، هذه الصور الجدابة وهذه النماذج الكروية الناجحةالتي تحفّزُ الشباب العاطل والمعطّل وتدفع بهم إلى المغامرة والمخاطرة في الهجرة إلى الخارج مهما كان الثمن.
إن للخارج وللمهاجر إلى الخارج في ذهن الشاب المغربي تَمثّل جذّاب وصورة مُغرية(القدوة والنموذج الناجح) تتغدى على احتياطي كبير من الفقر وفائض هائل من الأمية والحرمان، وجعل الهدر المدرسي هذا التَمَثّل وحوّل هذه الصورة إلى حُلمِ وردي، يسعى كل شاب معربي عاطل ومعطل إلى تحقيقه بكل الوسائل، ويُخاطر من أجل الوصول إليه بكل ما يملك بما في ذلك روحه.





