
كتبتُ وصرّحتُ في ما سبق عن أهمية مسابقة أمير الشعراء التي تنظمها هيئة أبوظبي للتراث بالإمارات العربية المتحدة، وأكدتُ على دورها الرائد الذي لا ينكره عاقل في إنعاش الشعر العربي على امتداد وطنه، بل أزعم إن إشعاع هذه المسابقة تجاوز الرقعة العربية إلى آفاق أوسع.
لكن هذا طبعا لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات على نواقص هذه المسابقة من وجهة نظري، خصوصا في النسخة الحالية.ولكي لا أطيل على القارئ سأبدأ بالملاحظة الأبرز والمتعلقة بآليات اختيار المرشحين التي سطحت الشعر في هذه المرحلة الاستكشافية.
يبدو هذا الدفع إلى السطحية في تجارب الارتجال من خلال مصادر الوحي المقترَحة على الشعراء، فبغض النظر عن أنها جعلت المرشح شاعرا تحت الطلب، فمصدر الإلهام نفسه -إلا ما ندر- سطحي لدرجة مستفِزة، كعرض صورة دراجة مثلا، هذا بدل محاولة إثارة شاعرية المترشح بالمشاهد الإنسانية والقيم العالمية، إذ يمكن ببساطة عرض لوحات، ليس بالضرورة لمشاهير، لوحات يمكن تصميمها ببساطة اليوم عن طريق الذكاء الاصطناعي، فيها ما يذكر بالوجدان الإنساني والهوية والألم والحنين والفقد والحب، وغيرها من المعاني المجردة العميقة والنبيلة، وحتى في عرض الأشياء كان يمكن ببساطة أيضا عرض ما يشكل رمزا تاريخيا أو إنسانيا أو أسطوريا، مثل غصن الزيتون، أو زهرة اللوتس، أو حتى التفاحة في رمزيتها للخطيئة مثلا.
هذا إذا لم نتحدث عن اختلال آلية الإيحاء نفسها في اعتمادها على طريقتين لاستثارة قريحة الشاعر، وهما الصورة أو المجاراة، فقد تعرض الشعراء الذي امتحنوا بالمجاراة للحيف، لأن تلك الآلية تفرض على الشاعر بحرا معينا، على عكس الشاعر الذي يستمد إلهامه من الصورة والذي يمكنه الكتابة على أي بحر يشاء.
أضف أن الشاعر الذي يستلهم نظمه من المجاراة يقع تحت طائلة المقارنة بالبيت الملهِم، والذي في العادة يكون بيتا جميلا وشهيرا لشاعر كبير ومعروف، فيجد البعض نفسه فجأة يجاري المتنبي الذي قال البيت في سعة من الزمن الموحي بالشعر وعلى رواقة وسعة، فيما يحاول الشاعر المرشح المسكين مجاراة ذلك البيت الذي لم يعش ظروفه، تحت أضواء الكاميرات، وتربص اللجنة، وعيون الحضور، وما يستحضره ذهنه من بث لاحق سيراه الملايين.
المفارقة أن المسابقة تقع في السطحية في استكشاف الشعراء لكنها تفرض عمقا مبالغا فيه في طابعها العام الذي دفع الشعراء إلى كتابة قصائد موغلة في المعاني المنفتحة على التأويل، حتى في عناوينها، مما جعلها نسخة مكررة غير واضحة المعالم، أشه بلوحة سريالية لا يفهمها غير راسمها، وربما حتى الراسم لا يفهمها، قصائد لا تجد صدى في الذائقة العربية، ولا يرددها أحد، ناهيك عن حفظها، لا تسمعها من محب للشعر، ولا تسير بها ركبان الأنترنت مثلا، كأنها للاستعمال مرة واحدة فقط من فم الشاعر، إذ يكفي وأنت أمام لجنة التحكيم أن تملأ القالب الوزني بالمعاني المبهمة، وأن تذكر المجاز حرفيا، مع مرادفات من قبيل المشكاة والرؤيا والماء، ثم تضع عنوانا من قبيل “حفلة عشق للديك الدمشقي الأخير”، وها أنت مرضي عليك من قبل اللجنة.
لقد اعتمدت مسابقة أمير الشعراء رسميا هذا النمط “العميق” من القصيدة العمودية، وحيّدت إلى حد كبير القصيدة العمودية الواضحة المعالم، ناهيك عن اختفاء قصيدة التفعيلة التي كانت إلى وقت قريب مقبولة عند اللجنة، فرغم أن المسابقة لا تعلن في شروطها رفض هذه القصيدة إلا أنها أسست لهذا الرفض، وطبعا لا نتحدث هنا عن قصيدة النثر المرفوضة من دستور المسابقة أصلا.




