
كش بريس/التحرير ـ
كشف تقرير استخباراتي إسباني أن موجة العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي لم تكن حدثا مفاجئا معزولا، بل سبقتها، وفق خلاصات التقرير، حملة رقمية واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات التراسل الفوري، ساهمت في نشر المعلومات وتعبئة الراغبين في الوصول إلى المدينة، وتحويل الفضاء الرقمي إلى أداة للتنسيق والتحفيز الميداني.
وحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة “La Razón” الإسبانية، فإن التحقيق الذي أعده المحلل الإسباني المتخصص في قضايا الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي شيما خيل، بطلب من مؤسسات إسبانية، رصد نشاطا رقميا متصاعدا منذ بداية شهر يوليوز، بلغ، بحسب التقديرات، ما يقارب 11 مليون تفاعل أو وصول محتمل عبر مختلف المنصات الرقمية.
ويشير التقرير إلى أن هذه الحملة الرقمية انطلقت من شبكات وحسابات ومجموعات موزعة في عدة بلدان، من بينها الجزائر وتونس وفرنسا والولايات المتحدة، إلى جانب نشاط لحسابات مرتبطة بالمغرب، حيث جرى تداول محتويات تضمنت رسائل تحفيزية، ومقاطع فيديو، ومعلومات عملية حول طرق الوصول إلى سبتة، ومسارات التنقل، ونقاط التجمع، ومواعيد التحرك باتجاه محيط الحاجز البحري بمنطقة تراخال.
ويربط التقرير بين تصاعد النشاط الرقمي وقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في بداية شهر يوليوز، يتعلق بالوضع القانوني للأشخاص الذين يصلون إلى سبتة بحرا، حيث اعتبر معدو الدراسة أن هذا القرار شكل عاملا محفزا لارتفاع عدد المنشورات والمحتويات التي تناولت إمكانية العبور، قبل أن تتسع دائرة التفاعل خلال الأسابيع اللاحقة.
من شبكات التواصل إلى التنسيق الميداني
وبحسب التقرير، فإن التحول الأبرز تمثل في انتقال الخطاب الرقمي من مجرد نقاشات عامة حول الهجرة إلى محتويات ذات طابع عملي، تضمنت إرشادات مرتبطة بالحركة والتنقل، وتحديثات حول الوضع الميداني عند الحدود، إضافة إلى معلومات حول وسائل النقل ونقاط التجمع.
ورصد التحقيق، الذي اعتمد على تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي (SOCMINT)، نشاطا مكثفا على منصات تيك توك وفيسبوك وإنستغرام ومنصة “إكس”، فضلا عن مجموعات على تطبيق واتساب، خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى فاتح غشت 2026.
ومن بين أبرز المؤشرات التي توقف عندها التقرير، وجود مجموعات على تطبيق واتساب مرتبطة بأرقام تحمل المفتاح الدولي (+213) الخاص بالجزائر، جرى داخلها تداول معلومات تتعلق بمسارات الاقتراب من المنطقة الحدودية، ووسائل النقل، ومواعيد التحرك، وأماكن التجمع، إضافة إلى تفاصيل مرتبطة بالوصول إلى محيط الحاجز البحري بتراخال.
غير أن التقرير شدد على أن هذه المعطيات لا تعني، بالضرورة، وجود قيادة مركزية واحدة تقف خلف الحملة، بل يتحدث عن “منظومة رقمية لا مركزية” توزعت فيها الأدوار بين إنتاج المحتوى، وإعادة نشره، وتوسيعه عبر منصات مختلفة، وتوفير المعلومات اللوجستية عبر شبكات التواصل.
الرقمنة تعيد تشكيل ديناميات الهجرة
ويخلص التحليل إلى أن أحداث سبتة تعكس تحولا في طبيعة ظواهر الهجرة غير النظامية، حيث لم تعد الحدود الجغرافية وحدها مجالا للمواجهة، بل أصبحت المنصات الرقمية جزءا أساسيا من ديناميات التعبئة والتأثير، عبر قدرتها على نشر الروايات، وتوجيه السلوك الجماعي، وتسريع انتشار المعلومات.
ويرى معد التقرير أن ما حدث يمثل تطورا مقارنة بمحاولات سابقة، بالنظر إلى التكامل بين مختلف المنصات، والاعتماد المكثف على المحتوى المرئي، والسرعة الكبيرة في تداول المعطيات الميدانية، وهي عوامل منحت الحملة قدرة أكبر على الانتشار والوصول إلى جمهور واسع داخل وخارج المنطقة.
وفي المقابل، أكد التقرير أن خلاصاته تستند فقط إلى تحليل محتويات متاحة للعموم وأدلة رقمية تم جمعها خلال فترة البحث، دون توجيه اتهام مباشر إلى جهة محددة أو إثبات مسؤولية تنظيمية لشبكة بعينها، مكتفيا بتحديد أنماط النشاط الرقمي ومؤشرات الانتشار والتنسيق.
الهجرة في عصر الشبكات.. حدود جديدة للصراع
وتضع هذه الخلاصات ملف الهجرة غير النظامية أمام قراءة جديدة تتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية، إذ بات العامل الرقمي يشكل عنصرا مركزيا في فهم كيفية تشكل موجات العبور الجماعي، من خلال قدرته على صناعة التوقعات، وتوسيع دائرة المشاركة، وتحويل المعلومات المتداولة إلى سلوك جماعي على الأرض.
كما تعيد هذه التطورات طرح أسئلة أوسع حول مستقبل إدارة الحدود في المنطقة المتوسطية، في ظل انتقال جزء من الصراعات والتحولات الاجتماعية من المجال الجغرافي التقليدي إلى فضاء الشبكات، حيث أصبحت الخوارزميات والمنصات الرقمية فاعلا مؤثرا في تشكيل القرارات الفردية والجماعية المرتبطة بالهجرة والتنقل.





